البصائرمقالات مختارة

من آفات الفكر والسلوك بقلم د. إبراهيم نويري

  التشدّد ـــ كما ورد في بعض التعريفات ـــ هو حالة انغلاق أو جمود ثاوية في النسيج النفسي والفكري، توحي لصاحبها أو لمن يتمثّلها في سلوكه ومعاملاته وعلاقاته، وقبل ذلك في ذهنه وفكره، بأنه ليس فقط الأقرب إلى الصواب. بل هو دون سواه أنموذج الصواب والهدى والحق وسواء السبيل، وبالتالي فإن الحقيقة معه وحده، وعلى الآخرين إذا أرادوا السلامة وعدم الزيغ أو الوقوع في مهاوي الضلال أن يتبعوه وأن يقتفوا أثره وينسجوا على منواله فيما صغر أو كبر من المسائل والقضايا والإشكالات التي تعرض لهم في حياتهم.

  إن هذه الحالة الغريبة علامة واضحة على وجود مرض داخلي خطير، لا علاقة له بأيّ نوع من أنواع القناعة العقلية المؤسسة على سلامة الضمير وتفحّص الأدلّة والترجيح بين الآراء وفق معادلة منطقية مقنعة.

  وجوهر هذا المرض النفسي غرور سيطر على كلّ جوانح النفس، فأحدث ظلاماً حالكاً في جنباتها، لأن سلامة الضمير ونقاوة التفكير كلاهما يدفعان إلى احترام وجهات نظر الآخرين، حتى في حالة الاقتناع أو التيقن بوجهة نظر مختلفة..فما بالك إذا كانت المسألة المعروضة أو المثارة من قبيل المسائل التي لا يتّضح فيها وجه الحق بسهولة؟

  لقد كان الإمام الشافعي وهو مؤسس علم أصول الفقه والقواعد الكلية لفن الاستنباط والترجيح يقول: “ما جادلت أحداً إلا وتمنيتُ أن يكون الحقُّ إلى جانبه” فسلامة الضمير لابد أن تتجه بصاحبها إلى البحث عن الحقيقة والانتصار لها، بغضّ النظر عن مصدرها. أما من يعشش الغرور في جنبات نفسه ولواعج صدره، فهو لا يلهث إلا وراء الانتصار للذات المريضة، وهذه إحدى أخطر علل بعض المثقفين وبعض المتدينين في زماننا هذا !

  وأسوق هذه القصة لأنها تلخص جانباً كبيراً من الفكرة التي أردت شرحها وتحذير جمهور القراء منها ومن تبعاتها.

  يقول فضيلة الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: كنت يوما أحاور أحد الشباب المتشدّدين المغالين بغير علم، فسألته: هل تفجير ملهى ليلي في إحدى الدول حلال أم حرام؟ فقال لي: طبعا حلال وقتل رواده جائز.

  فقلت له: لو أنك قتلتهم وهم يعصون الله فما هو مصيرهم؟ قال: النار بطبيعة الحال!

  فقلت له: إذن أنتم والشيطان تشتركون في الهدف نفسه، الذي هو إدخال الناس إلى النار! ثم ذكرتُ له حديث النبي، صلى الله عليه وسلم، عندما مرت عليه جنازة يهودي، فأخذ يبكي، فقالوا ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: نفسٌ أفلتت مني إلى النار .

  ثم قلت للشاب: لاحظ الفرق بينكم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي يسعى إلى هداية الناس وإنقاذهم من النار. أنتم في واد والحبيب المصطفى في واد آخر!..

  أعتقد أن معالجة مثل هذه العلل المستحكمة، لا يكون إلاّ بالحوار والتوسع في العلم، والاستقامة على المنهج النبوي، والرجوع الدائم لأهل النظر الحصيف والعلم الصحيح والفكر الراشد، والتخلق بأخلاق التواضع وحسن الإنصات لآراء الآخرين.

  أما الاعتداد بالرأي والانتصار للذات والهوى وحظ النفس الأمارة بالسوء، فطريقه ومآله واضح بيّن، إنه الخسران والبوار لصاحبه، وإيذاء خلق الله وإحراج الدين وتدمير الأوطان والمكاسب العامة.

  لابد أن تتضافر الجهود وتتآزر مواقف أهل العلم والاستقامة في سبيل التحصين الفكري والنفسي ضد هذه الآفة الخطيرة، خدمة لأوطاننا وديننا وقيمنا. والله وليّ التوفيق.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق