حدث وتعليق

المناهج التربوية بين ثوابت الهوية وسياسة الهاوية بقلم الشيخ محمد مكركب

مكركب الشيخ محمد مكركب
لا تزال التربية والتعليم في البلدان العربية عامة والجزائر خاصة تسير نحو المجهول،في فوضى من المبهمات، ومن ضعف المستويات إلى ضعف الإصلاحات، ومن غموض المقاصد والمضامين الدراسية، إلى ضعف التقنيات والطرائق البيداغوجية، المستوردة من مناهج غربية لاصلة لها بثوابت الأمة، ولاقيمة لها من الناحية العلمية، فالأجانب لايعطون إلا المعلومات البالية القديمة التي تؤخر ولاتقدم، لاتصلح للمعلم ولاتنفع المتعلم. قال الله تعالى: ﴿وَلاَيزَالُونَ﴾.أما تسمعون؟فقد شغلوا المعلمين في بعض البلدان بمصطلحات وطلاسم أبعدتهم عن البيداغوجية الحقيقية.
ومن أهم وأكبر أسباب تردي مستوى المتعلمين هو لغة التعليم،ولأن المسئولين على التربية والتعليم في كثير من البلدان العربية ومنها الجزائر مصرون على استمرارية التبعية اللغوية والصبغة الأجنبية بالأنجلزة في المشرق العربي،والفرنسة في المغرب العربي، هذه التبعية المخرجة عن ثوابت الهوية الوطنية والمميتة للفكر العربي الإسلامي المبدع،أبعدت التربية والتعليم عن ثواب الهوية وأغرقتها في سياسة الهاوية.
هذه التبعية اللغوية المقيتة المسيئة للتربية والعليم أبى المسئولون إلا أن يستمروا فيها للصبغة الأجنبية،ولم يسمعوا لله الذي قال:﴿ صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ التبعية هي التي أثرت سلبا على مستوى التحصيل الدراسي، وهي المعيقة عن التقدم التقني، حيث إن محرك الفكر الحضاري، والقدرات الذكائية في التعليم قوامه اللغة، واللغة التي تصلح للتعلم الحضاري الصالح للأمة العربية الإسلامية هي التي تجمع بين العلم الكوني التقني، والعلم الفكر الحضاري الرائد،.وفكر الإنسان مستمد من عقيدته،والحضارة قوامهما مجموعة المفاهيم المستمدة من العقيدة، وهذا يجهله كثير من المسئولين على التربية والتعليم مع الأسف، ألم يعلم المسئولون بأنه لن تصلح تربية ولن يصلح تعليم في البلدان العربية مالم يكن تعليم كل العلوم باللغة العربية؟. ومالم يكن تدريس الكيمياء والفيزياء والرياضيات والطب والطيران وغيرها من العلوم إلى جانب القرآن وأخلاق القرآن تدريسا تأصيليا بكل آداب التربية الإسلامية في نفس المدرسة والإكمالية والثانوية والجامعة والمعهد والثكنة وسائر المؤسسات التعليمية، بالعربية، ألم يعلموا هذا..فمن كان لايعلم فتلك مصيبة،ومن كان يعلم ويصر على الخطأ فالمصيبة أعظم!.
فمنذ تاريخ الاستقلال العسكري والرايتي،ولغة التعليم في البلدان العربية بين ثوابت الهوية وسياسية الهاوية في تدافع مستمر،وكأن لغة النبي صلى الله عليه وسلم ليست في بلدها، وكأنها لم تنل حظها من الاستقلال العسكري والترابي والرايتي،.
فما لم يكن يحلم به العجم المستعمرون في التمكين للغتهم ومحاربة لغة العلم والقرآن يوم أن كانت جيوشهم تدوس أراضي المستعمرات، فقد تحقق لهم من بعد ماخرجوا أكثر من أحلامهم وآمالهم، كيف لا؟ وقد خدم المشرق العربي الإنجليزية أكثر من الإنجليز!! وخدم المغرب العربي الفرنسية أكثر من الفرنسيين أنفسهم!!.
والمفارقة العجيبة المبكية والمحزنة فقد بلغ الأمر في فوضى سياسة الهاوية مشرقا ومغربا، أن العربي المثقف الأصيل المحترم إذا ذهب إلى أوروبا أو أمريكا بلغته العربية، بلغة حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه يجد مكانه بذكائه وعبقريته ويُرَحَّب به ويُحْتَرَم، لقدراته العلمية، ولكنه عندما يريد أن يخدم وطنه في مشرقه (العربي) أو مغربه (العربي) يقال له: هل تتقن الأنجليزية؟ هل تتقن الفرنسية؟.مع العلم أن الإنجليز أنفسهم لوعلموا قدرة اللغة العربية وما تتضمنه من إعجاز علمي ومفاتيح حضارية لسبقوا إليها قبل أهلها العاجزين،قبل أهل وطنها وموطنها المنهزمين، ولكن الإنجليز والفرنسيين في بلدانهم وفي مستعمراتهم بالأمس، وقع لهم مع اللغة العربية كما وقع للكفار مع القرآن،يوم أن كان القرآن ينزل على قلب رسول الله بلسان عربي مبين.
واقرأ أيها المبتلى في الوطن العربي، أيها المبتلى بلغة الأجنبي:﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ سبحان الله العظيم. فإذا قالوا عن القرآن: لوكان فيه خير، والمؤكد الذي لاريب فيه أن القرآن فيه كل الخير الذي يحتاج إليه البشر، ولَمَّا لم يهتدوا به،لأنهم لم يقرؤوه بقابلية ونية، فقالوا إنه قول مأثور عن الأقدمين لاخير فيه. فكذلك لم يعلموا الخير الذي في التعليم والتعلم باللغة العربية. وفيها خير كل اللغات وأكثر، ولكنهم لم يهتدوا،وذلك مبلغهم من العلم!.
قال محاوري: ولكن أليست اللغة الإنجليزية لغة علم، وكذا اللغة الفرنسية؟وهما من اللغات الحية؟ وما المانع من التعليم بالفرنسية؟
قلت: هذه المقولة هي التي غَرَّ بها المستعمرون أتباعهم،كي يظلوا تحت سيطرتهم. حتى صار بعض المتخلفين يُعَلِّمُونَ أولادهم بدءا من الروضة بالفرنسية أو الإنجليزية،نتيجة عقدة نفسية خطيرة، تسمى المرض النفسي الضِّفْدَعِي، يصاب به نوع من الضفادع المنهزمة نفسيا أمام الثعابين المفترسة.
فهل تعلم معنى فَرْنَسَة التعليم؟ معناه أن يظل التعليم متأخرا وتابعا، للتعليم الفرنسي فضلا عن أن يتقدم عليه. ثم قلت لك ما يقال، وهذا المقال لايكفي للاستدلال: بأن العربية لو علمتم قدرتها وقدرها، لتيقنتم مما أقول، بأنها أقدر من غيرها من لغات العالم على بعث التقدم الفكري والتكنولوجي، وعلة الذين يستوردون المناهج ولغة التعليم من الخارج،أو يستعينون بالخبراء() الأجانب علتهم في عدم الثقة بوطنيتهم،ودينهم،ولغة كتابهم،.
وبعض الذين درسوا بالفرنسية فقط ويجهلون فقه العربية يتوهمون أنه لاحياة خارج الفرنسة والفكر الفرنسي والتقاليد الفرنسية،وذلك مبلغهم من العلم. وأن الأتراك أو الماليزيين على سبيل المثال فضلا عن العرب لو عَمِلُوا بالعربية، لكانوا أقوى مما هم عليه الآن، ولكنهم إلى لآن لم يهتدوا إلى عظمة اللغة العربية، وما حيلتي إذا كانوا لايفرقون بين لغة القرآن، والتي هي لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم،وهو المعلم الأول في المقام الأول، فهو الذي علم البشرية وأخرجها من الظلمات إلى النور بنور الله،وشهد له العالم بكمال الحكمة في بناء المجتمع والدولة، وربى أعظم جيل،وبين لُغَةِ سَيْطَرَةٍ واستبداد وإقصاء.
قال محاوري: ولكن ما علاقة اللغة بالتعليم والتقدم،والقوة السياسية والاقتصادية والإدارية والعسكرية للدولة؟ألا يمكن أن يتقدم الشعب بغير لغته؟
قلت: إن كلامك هذا عجيب، يكفي أن تقول لنفسك قبل أن تسألني أليس من العيب والعار أن ترفض وتهجر لغة خاتم النبيين،ولغة الكتاب المرسل للناس أجمعين، ولغة شخصيتك وهويتك أنت كمسلم وليس كعربي، أنت وأنا كمسلم وليس كأمازيغي أو بربري أو شاوي أو ترقي أو صالحي، هل تظن أن المسلمين بما فيهم من الأتراك والأندونيسيين والماليزيين والباكستانيين وغيرهم، يمكن لهم أن يكونوا الأقوى في العالم، ويقودوه إلى مكانة نور الإسلام، بغير إسلام حقيقي كامل؟ وهل تظن أنهم يفهمون الإسلام ويربون رجالا يحملون رسالة الإسلام، بغير قرآن وبغير صحيحي البخاري ومسلم، وهل تظن أن كل هذا يتحقق بغير العربية؟ من كان يظن أنه يفهم دينه ودنياه ويتقدم حضاريا في العالم بغير لغة القرآن،يقال له: سلامة عقلك!!..
ولاتفهم كما فهم المعاندون، بأنني عندما أقول لك:القرآن والحديث، تظن أن المقصود هو تعلم العبادات الشعائرية فقط، إنني أعني فهم القرآن والحديث وسائر التراث الإسلامي والإنساني، والتعليم باللسان العربي المبين، إنما هو لصناعة الطائرة والغواصة، لصناعة الدواء والمراكب، ووسائل الإعلام والاتصال، لكل التقنيات المعاصرة والمستقبلية. فكل تقدم أساسه التعليم الناجح، والتعليم الناجح في البلدان الإسلامية لن يكون إلا بلغة كتابهم، ولغة نبيهم.ألم تعلم أن التخلف البشري العام في الأخلاق والسياسة الإنسانية سببه هجران لغة الرسالة السماوية العالمية.وإلا فمعناه وأنت تحرجني بهذه الأسئلة أنك مازلت لاتثق في الرسالة السماوية الخاتمة، ولا تؤمن بها على أنها الصالحة وحدها لإصلاح العالم؟
واعلم أن الشعب الياباني يمكن أن يتقدم دنيويا في الميدان التكنولوجي باليابانية، ولكن شعبا مسلما لو كان يتقن اليابانية أكثر من اليابانيين فلن يتقدم ذلك التقدم أبدا ؟! وكذلك قِسْ على هذا تقليد الذين يريدون أن يتفرنسوا أويتأنجلزوا،بالتطفل والسذاجة.! ثم اعلم أن هذا الذي ورد في هذا المقال هو مقدمة المناقشة لهذه القضية{قضية لغة التعليم في البلدان الإسلامية ومنها الجزائر} إنما التحليل والتفصيل عن مزايا ومحاسن تعليم الرياضيات والكيمياء والفيزياء والطب بالعربية، ونقائص ومساوئ التعليم بغيرها،كل ذلك يقتضي منا أوقاتا للإقناع، ومقالات لبسط الموضوع عبر كل عناصره المنهجية الكافية.. وإلى أن نلتقي مع المادة الثالثة من الدستور الجزائري لِيُعْلَمَ الذين صدقوا والذين مرقوا…ليُعلمَ الملتزمين بالعهود الذين يفعلون ما يقولون، ولِيُعْلَمَ الذين يقولون ما لايفعلون كبر مقتا عند الله أن يقولوا ما لايفعلون…

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق