البصائرمقالات مختارة

مستشفياتنا وشرف الخدمة الإنسانية بقلم لشيخ محمد مكركب

محمد مكركب الشيخ محمد مكركب
من الخدمات التي تعتبر من صميم وأعماق الرسالة الإنسانية: المصالح الصحية في المجتمع، من مستوصفات، ومستشفيات، وصيادلة، وأطباء. وتأتي قيمة الخدمات الصحية العمومية في سلم درجات الضروريات مباشرة بعد خطورة وعظمة خدمات التربية والتعليم، ويعتبر المسئول عن الخدمات الصحية في المستشفيات من الوزير إلى مدير الصحة إلى مدير المستشفى، إلى كل طبيب وممرض وعامل ومسير، أنهم مسئولون عن الأمن النفسي والصحي للأمة، ومسئولون عن مصير الأمة اقتصاديا وعسكريا. وسيسأل يوم القيامة كل مقصر في أداء الواجب. يقول الله تعالى:﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر:92/93). وفي الحديث الشريف عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:[ كلكم راع ومسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته، قال فسمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال والرجل في مال أبيه راع وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته](رواه البخاري في كتاب الاستقراض.رقم:2409).
إن المستشفى في المجتمع الإسلامي روضة أمن، وأنوار رحمة، لما يتصف به من نُبْلِ وشرف الخدمة الإنسانية، وكذلك هي مستشفياتنا في الأصل نحن معشر المسلمين، أربع مؤسسات استراتيجية في مدينة المسلمين الإنسانيين، مفتوحة على مدى الأربع والعشرين ساعة، ومتوفرة على كل ما يجب أن تخدم به المواطن خدمة إنسانية رفيعة المستوى والمبادرة والاهتمام، حكيمة الأداء عالية المقام، لا ترد طالب خدمة، ولا تطالبه إلا بأن تخدمه وتشكره. أقول هذا عند الإنسانيين. هذه المؤسسات هي: المستشفى لكل التخصصات على الإطلاق، ومؤسسة المسجد بقاعة الصلاة المفتوحة على الدوام، ودورات المياه، ومؤسسة الأمن المكلفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومؤسسة النقل على كل المستويات. بل ما أجمل أن يفتح ليلا بعض الأطباء، والصيادلة، بل ما أجمل وما أوجب أن تخصص البلديات لمواطنيها، مصلحة خدمات بالليل والنهار، لتأخذ على عاتقها مسئولية تلبية الاتصال وتوجيه المواطنين، وتمكينهم من الانتفاع بالخدمات الضرورية، بما يجب أن تتوفر عليه هذه المصلحة من سيارات نقل، وسيارات إسعاف، ودار لإيواء ابن السبيل، ومن هنا تبدأ الحضارة الإنسانية، عندما يجد المواطن هذه الخدمات متوفرة في كل الأوقات التي يحتاج إلى خدماتها، وعندما يستطيع رئيس البلدية الإشراف الكلي على هذه المؤسسات على مستوى محيط بلديته، ويتأكد من أن كل الخدمات جارية بالتمام والإحكام.
قال محاوري: هل هذا من واجب رؤساء البلديات أيضا؟ كنت أظن أن دور البلدية يختصر في التوثق بين شهادة الميلاد، وبطاقة التعريف، ومصالح اسمية أخرى لا أعرفها!!.
قلت: نعم، إن رئيس البلدية هو المسئول على الخدمات كلها ومنها الخدمات الصحية، قبل مدير الصحة، لأن رئيس البلدية هو الذي تعهد بأن يخدم المواطنين في حدود بلديته، وهذا دون أن يعفى مدير الصحة، ومدير المستشفى، لذلك تجد هؤلاء المسئولين عندنا يشعرون بهذه المسئولية، ويبذلون جهدهم في القيام بواجب الخدمات الإنسانية على أتم وجه، ويشكرون على ذلك.
ولكننا نخشى أن يتسرب مرض العجز والتخلف والإهمال الذي نسمع عنه في بعض مجتمعات المتخلفين، فقد بلغنا من قبل رواة ثقات أنه في إحدى المؤسسات الاستشفائية المتخلفة، التي ما يزال مسيروها يعيشون بذهنية القرون الوسطى، وبعقلية قانون الغاب، أنهم في جناح مصحة الولادة أنهم عاجزون عن تخصيص سرير لكل نفساء، بل يضعون اثنتين فوق سرير فردي، والأعجب من ذلك أنه تأتيهم الحامل إلى باب مصلحة الولادة لتضع حملها، فيقال لها: (لا يوجد مكان)؟!. إنه التخلف بعينه، والسفه بحقيقته، ومنذ أيام سمعت خبرا محزنا، يجعل من يسمعه يتساءل هل لأولئك المسيرين في ذلك المستشفى لهم قلوب يفقهون بها، أو أعين يبصرون بها، أو آذان يسمعون بها؟ جاءهم مواطن من أهل ذلك البلد بزوجته الحامل التي حان وقت وضع حملها، فقابلتهم الطبيبة -المسئولة- لتقول لهم، وللحامل بالذات، لا يوجد مكان عندنا، وعندما ألحت عليها الحامل بأنها تشعر بألم وأن ما في بطنها ينبئ بقرب الوضع، قالت لها: اخرجي من هنا، فأخذ الزوج زوجته الحامل، وسار يبحث عن مصحة أخرى ولم يصل حتى وضعت الحامل حملها في الطريق! هل يمكن أن تقول عن هذه المؤسسة التي رفضت استقبال المرأة الحامل أنها تقدم خدمات صحية إنسانية؟ الحقيقة أن مثل هؤلاء السلبيين الذين لا يحسنون استقبال المرضى، ولا يُعِدُّون الوسائل اللازمة للصحة، لا يفقهون من الإنسانية شيئا، وهم أنفسهم آلات خرساء تتحرك بغير ضمير، فضلا عن سوء الاستقبال وسوء التسيير..
قال محاوري: هذا خبر محزن حقا، ما كنت أظن أن في مؤسسة استشفائية خاصة بالتوليد لا يوجد فيها أَسِرَّةٌ كافية للنفساء؟! أما أن يرفضوا استقبال الحوامل فهذا لم يحدث إلا عند من فقدوا معاني الإنسانية، وليس عندهم ذرة من روح الوطنية، ولا أدنى إحساس بقيمة الوظيفة الطبية. ثم رفع محاوري يديه ودعا ربه قائلا: اللهم احفظ مؤسساتنا الاستشفائية لأن لا يصل إليها هذا المرض، مرض العجز والإهمال والتسيب.
ومحاوري هذا دائما يريد أن يستفز بأسئلته المحرجة، فبعد أن دعا ربه بأن لا يصيب مؤسساتِنَا رِيحُ التخلف، قال: لكن قد يكون هؤلاء المسيرون معذورين في نقص الأَسِرَّةِ أو الأمكنة، أو الدواء، أو انعدام أجهزة الفحوص الطبية الحديثة، فماذا يفعل المسير في مستشفى عمومي أو في مصحة ولادة عمومية لا تتوفر على تلك المعدات؟.
قلت: كثيرا ما يصدق المثل العربي (رب عذر أقبح من ذنب) فإذا قال مسئول مسير في مؤسسة ليس الأمر بيده، أو يقول: هو ليس مسئولا عن ذلك النقص في المعدات، أو عن ذلك التقصير في الاستقبال والتسيير. فقل له: ما محلك من الإعراب؟ فالمواطنون يريدون الخدمات، لا يريدون أجسادا في البيروات.
عندما قلت لك: إن الحضارة تبدأ من هنا، فاعلم أنه من أهم سمات المسئول المتحضر أنه عندما يدعى إلى القيام بمهمة تسيير خدمة اجتماعية من الخدمات العمومية، أنه أولا لا يقبلها إلا إذا كان كفءاً لها، وعلم من الشروط المسطرة في القانون الأساسي للمؤسسة، والنظام الداخلي لها أنه يستطيع تلبية كل الواجبات الخدماتية التي تخص مؤسسته، والمسئول المتحضر عيب عنده أن يقول عن خدمة أو وسيلة أنها غير موجودة، وهي من خصوصيات مؤسسته. عيب كبير أن يقول مسئول في مستشفى في هذا العصر ليس عندهم جهاز كشف، أو نوع علاج، أما أن يقول: ليس لهم سرير ينام عليه المريض، فهذا من العجائب المعكوسة لهذا العصر.
ونحن عندما نطرح هذا الموضوع للتدبر والتحليل والمناقشة إنما نقصد من وراء ذلك الحد من داء هذا الخلل، وبأن لا ينتشر مرض التقصير، وسوء التسيير وسط المؤسسات المحترمة من مؤسساتنا الخدماتية، لأن سوء الخدمات يؤدي إلى أخطر مرض اجتماعي وهو هدم الثقة بين المواطنين والإدارة العامة والسلطات العمومية، بل ويؤدي إلى فقد الثقة بين المواطنين أنفسهم، وإذا فُقِدَت الثقةُ بين الناس، انتشر فساد العلاقات، الذي من أسبابه النفاق، والرشوة، والكذب، والتزوير، والاختلاسات، حتى يصير المواطن إذا احتاج لمؤسسة استشفائية للعلاج راح يبحث عن معرفة بواسطة فلان، عن فلان، الذي يعرف فلان، المعزز برتبة فلان، الذي هو صهر فلان، فإذا لم يُعْرف فلان وخاب الرجاء فلا علاج ولا استشفاء؟!. نسأل الله تعالى أن يحفظ بلدنا من وصول هذه الأمراض إلينا.
إن سوء الخدمات الصحية وغيرها في المجتمعات المتخلفة كان من بين أسباب ثورات العنف والحرابة واللصوصية وتجار المخدرات، وذلك في القديم والحديث، فكلما استفحل مرض الإهمال والتسيب في الخدمات كلما كثرت أسباب العنف والانحرافات. وهل هذا فحسب؟ لا، أبدا، هناك أخطار أخرى تأتي نتيجة الإهمال في الخدمات ومنها: ضعف الاقتصاد، وفشل المشروعات المستقبلية، وضعف الموقف السياسي للدولة. أَوَمَا تَعْلَمُ أن هناك في بعض البلدان الأمريكية والإفريقية قرى كاملة تَنَصَّرَتْ أوْ تَبَوَّذَتْ أوْ تَمَجَّسَتْ بسبب الخدمات التعليمية والرعاية الاستشفائية، والإطعام، والإيواء. وقد يغيب عن بال المتخلفين سبب ما وقع للعراق، وليبيا، واليمن، وسوريا، في أيامنا هذه، وما وقع من فتن في الجزائر من: 1990م إلى:2006م أن السبب الرئيس بسبعين بالمائة هو سوء الخدمات. فمن شاء أن يصدق فليصدق، ومن شاء التكذيب فليعد إلى أسباب دخول الاحتلال الفرنسي إلى الجزائر سنة:1830م. وقبل ذلك فليدرس أسباب خروج المسلمين من الأندلس بعد سبعة قرون من الدولة القائمة، والحضارة الشاهدة، ولما ساءت الخدمات وانقسمت مافيا العصابات والجهويات إلى ممالك واديزلية عاقبهم الله عز وجل بالطرد من جناته الأندلسية، عندما ركنوا إلى الطرب والغناء، وهجروا العلم ومشورة العلماء ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (يونس:13/14). وإنني إذ أذكر وأبين هذا فمن باب اللهم فاشهد فإنني قد بلغت.
فما هو المطلوب من مؤسساتنا الاستشفائية الصحية وغيرها من المرافق لحماية الوطن من وباء التخلف والعجز؟ المطلوب هو توفير الخدمات المطلوبة. خاصة وأن بلدنا يتوفر على إمكانات وثروات وقدرات علمية وشبابية، لنجعل من مؤسساتنا ومرافقنا قلاعا حضارية بالخدمات الإنسانية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾(النحل:90).

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق