مقالات مختارة

من هم أهل السنة والجماعة؟

بقلم التهامي امجوري
56ad4cdca8899
بعد أربعة عشر قرنا من الزمان طلع على المسلمين مؤتمر للعلماء عقد في العاصمة الشيشانية غروزني في الفترة ما بين 25 و27 أوت 2016، ليعرف لهم مفهوم “أهل السنة والجماعة”، والمؤتمر بطبيعة الحال برعاية الرئيس الشيشاني، رمضان قاديروف، المعروف بولائه التام للرئيس الروسيّ بوتين.
وقد خرج المؤتمر بتعريف لمفهوم أهل السنة والجماعة، صدر في البيان الختامي للمؤتمر وهو أن أهل السنة والجماعة هم “الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علمًا وأخلاقًا وتزكيةً”.
وهذا التعريف لا ينسجم مع الخط العام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن صحابته رضي الله عنهم –مثلا- لم يكن أحد منهم أشعريا وماتريديا ولا متمذهبا ولا متصوفا…؛ لأن هذه النعوت وضعت في ظروف زمانية ما لوظيفة تعليمية تربوية، وليس لأن تكون بديلا لدين الله، وإنما وسائل منهجية للكشف عن مراد الله، ولا لتكون صورة نهائية تعبر عن حقيقة الأمة التي هي كل الأمة.. ومن ثم -في تقديري- أن هذا المؤتمر وما خرج به من مواقف وتعريفات لا علاقة له بالتعريف العلمي الدقيق الذي يضع الأمور في نصابها، بقدر ما هو تعريف له بعده السياسي، الذي يريد إخراج طائفة من الأمة أو يدخل أخرى في الدائرة، فيلقي بظلاله وضلاله على الحياة العلمية والدينية في حياة المسلمين.
ذلك أن البعد الديني في الموضوع يقرر أن الأصل في الأمة الإسلامية أنها أمة واحدة، وهذه الوحدة مصدرها القرار الإلهي (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، ومبناها على وحدة العبادة (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ووحدة التقوى (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، والقضيتان اللتان لا تنفصلان عن الدين الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء وهو الإسلام (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، ومن ثم فالعلاقة بين المسلمين ليست مجرد علاقة مصلحية توجد بوجود المصالح وتنعدم بانعدامها، ولا هي علاقة عرق ودم يمكن أن تتفوق فيها العصبية العرقية على القيم الإنسانية الراقية، ولا هي علاقات آنية يمكن الاستغناء عنها في مرحلة من مراحل تاريخ الأمة، وإنما هي علاقة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ولذلك مهما اختلف المسلمون وتنازعوا وتناحروا، فإنهم لا يمكن إلا أن يحجوا إلى بيت واحد هو بيت الله الحرام، ولا يمكن إلا أن يصوموا في شهر واحد، هو شهر رمضان المبارك، ولا يمكن إلا أن يصلوا إلى قبلة واحدة هي الكعبة المشرفة؛ بل لا يمكنهم أن يدَّعوا النجاة بالإنتماء لغير مصطلح واحد هو الإسلام..، فسنتهم وشيعتهم وإباضيتهم وسلفييهم وطرقييهم.. وهلم جرا…، الجميع يشمله عفو الله ما داموا من أهل القبلة، ولذلك وضع قدماؤنا مصطلح “أهل القبلة”، فكل من كان من أهل القبلة هو من داخل الأمة.. قد يكون مقصرا، متأولا، مذنبا، مخطئا.. مبتدعا في غير الاعتقاد..، ومع كل ذلك يبقى في الدائرة الكبرى التي هي دائرة الإسلام.
ولكن المحن التي مرت بها الأمة في تاريخها الطويل، ابتليت بما ابتليت به، من خروج عن الجادة، غلوا وتقصيرا، بتضخيم بعض الصغائر حينا وتصغير بعض الكبائر حينا وبتهاون في الدين حينا وبالغلو فيها حينا آخر.. تمردت بعض الطوائف على الإطار العام، فاختارت لنفسها أسماء ومسميات، ربما كان ذلك للتميز أو لادعاء الكمال أو للإنزواء خوفا من الانقراض، فما كان من العلماء إلا الاجتهاد في الحفاظ على بيضة الإسلام والمسلمين، فكان مصطلح السنة مقابل البدعة، والجماعة مقابل الفرقة فمصطلح “السنة والجماعة” هو المصطلح العلمي للمنهج والأمة.
ذلك أن مفهوم السنة في الأصل هو المنهج، وهو ما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله “…من رغب عن سنتي فليس مني” لذلك النفر الذين تقالوا فعله، أي اعتبروه قليلا، عندما سألوا عن أفعاله عليه الصلاة والسلام فقيل لهم إنه يفعل كذا وكذا… فاستهانوا بالأمر، وقالوا أين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر!!، فقال أحدهم أنا أصوم ولا أفطر.. وقال آخر أنا لا أتزوج النساء.. وقال آخر أنا أقوم الليل ولا أنام..، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك غضب غضبا شديدا وخطب في الناس وقال ما قال… وأنهى كلامه بقوله “… من رغب عن سنتي فليس مني”، وغضبُ الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس لمجرد خيارات أفراد، وإنما لكون ذلك يعد تأسيسا لمنهج مخالف، وإلا فهناك خيارات للصحابة لم ينكرها الرسول صلى الله عليه وسلم، فأبو ذر كان زاهدا وكذلك أبو الدرداء وكذلك أبو هريرة، فقد كانت لهم خيارات ولكنهم لم يدعوا أن ذلك أبلغ وأكثر حماية لهم في التعبد من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم المتنوع والشامل.
أما الجماعة فهي جماعة المسلمين وهي الأمة أو سوادها الأعظم، وجميع النصوص الواردة في مصطلح الجماعة، كلها جاءت بهذا المعنى وهو المعنى الكلي لمفهوم الأمة، وهي الجماعة التي اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم من شذ عنها شذ في النار، وهي التي حذر من الابتعاد عنها أو الخروج منها، “عليكم بالجماعة..” “…إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية”.
قد يطلق هذا المصطلح “الجماعة” على مجموعة من الناس في إطار تنظيم إصلاحي، أو على مجتمع من المجتمعات في إطار دولة، أو في إطار إقليم جهوي، ولكن كل ذلك ليس إلا الجزء من الكل، أما الأصل في الجماعة هي جماعة المسلمين، وقد كتب الشيخ أبو يعلى الزواوي رحمه الله كتابا بهذا العنوان “جماعة المسلمين”، شرح فيه حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، لمن أراد المزيد في الموضوع أن يقرأه.
أما البعد السياسي، لهذا المؤتمر وبعث هذا المصطلح في هذا الوقت بالذات، وفي تلك البقعة بالذات، فعليه من التساؤل ما يفوق الاستنكار والاستغراب، وإلا ما معنى أن يعقد مثل المؤتمر ويناقش مثل هذا الموضوع، مؤتمر في جمهورية إسلامية غير مستقلة، عدد سكانها مليون ونصف، تابعة لدولة لا علاقة لها بالإسلام وهي روسيا الإتحادية… مع وجود مكة والقاهرة وتركيا والجزائر…..
إن ذلك وما ترتب عليه من نتائج لا يفهم إلا بغرض تشتيت المسلمين وتمزيق صفهم، فبعد أن كانت الأمة الإسلامية الواحدة وبداخلها التنوع الذي تفرض بعضه الطبيعة البشرية لردح من الزمن…، تحولت الأمة مع الأيام والضعف الذي أصابها، تتنادى بالكثير من جاهليات عافها الزمان..، ولم يذكروا نعمة الله عليهم (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)، ولولا اندفاع الأمة بفعل التخلف والجهل والضعف ودهاء الغرب، لذكروا نعمة الألفة والأخوة، بدل الصدام والتقاتل، ولما ادعت فرقة أنها هي الوحيدة الناجية وغيرها من المسلمين لا حظ لهم في رضا الله؟ ولما اغتر السني بسنته فينشئ داعش، ولا افتخر الشيعي بشيعته إلى أن يؤسس جيشا “يطلق عليه جيش التحرير الشيعي”؛ بل إن حزب الله اللبناني الذي كان دائما يسوق خطابه على أنه أسس لتحرير القدس، هو اليوم يقول إنه حزب شيعي إثنى عشري؟ ولما خطر ببال واحد من الأمة أنه هو الأمة تحت أي عنوان كان؟ ولو كان هذا الادعاء شعار السنة أو السنة والجماعة، اللهم إلا أن يكون الأمريكان سنة والروس سنة وجماعة.
إن ما هو حاصل ودخل فيه الكثير من علماء الأمة بكل أسف، بحجة تحرير المصطلحات الشرعية من استغلال المنحرفين لها، لا يزيد الأمر إلا تعقيدا.. فالذين يقاتلون ويقتلون ويوالون ويعارضون ويصالحون ويعادون باسم السنة والشيعة والتصوف وغير ذلك من المصطلحات الشرعية، لا علاقة لهم بالسنة ولا بالشيعة لا بأي شعار رفعوه، وإنما غاياتهم سياسية محضة، بعلهم وجهلهم، ومن هذه المصالح مصالح دول في اللعبة، وهذه المصالح لا علاقة لها بالسنة ولا بالجماعة، وإنما هي لعبة على أرضهم توظف فيها مصطلحاتهم.
فلله الأمر من قبل ومن بعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق