أحداث دولية

التجربة السنغافورية في القضاء على الفساد

رياض حاوي

21
عندما يشيع الفساد ويضرب كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية ويصبح مرضا اجتماعيا، يتصور الناس أن هذا المرض ليس له دواء، وأن هذه الآفة مستعصية على الاقتلاع، نظرا لتجذرها وامتدادها في كل جوانب الحياة. كان ذلك هو الإحساس السائد في الدويلة الصغيرة سنغافورة التي ورثت منظومة عن الاستعمار تشيع فيه كل الرذائل البيروقراطية والإدارية وكل أشكال الفساد الإداري، وزاد عليها تدهور الحالة الاقتصادية بعد الاستقلال الذي ضاعف تفاقم الأزمات ومنها معضلة الفساد.
هذه الإشكالية فرضت نفسها من اليوم الأول الذي نشأت فيه “دولة ما بعد الاستعمار”، وكان على القادة الجدد الذين وقع على عاتقهم عبء بناء دولة مستقلة، تغيير هذا الواقع المريض لإنقاذ البلاد من كل أشكال الفساد.
يروي “لي كوان يو”، الأب المؤسس لسنغافورة الحديثة، في كتابه “قصة سنغافورة من العالم الثالث إلى العالم الأول” كيف أنهم أول ما نجحوا في الانتخابات سنة 1959 قرر الفريق لبس قمصان خفيفة وسراويل بيضاء كناية على نزاهة الضمير ونظافة اليد والعزم على تنقية البلاد من كل أشكال الفساد.
تلك الفكرة الصغيرة التي كانت تتراقص ملامحها في ذهن هؤلاء الفتية الذين ورثوا تركة ثقيلة بعد حقبة الاستعمار تحولت إلى مشروع وطني وإنجاز جعل تلك الدويلة الصغيرة تكتسب سمعة عالمية على أنها من الدول الأقل فسادا، ويبلغ حجم ناتجها المحلي ما يزيد عن 300 مليار دولار سنويا، لأنها دولة لها نشاط اقتصادي واسع، رغم أن عدد سكانها لا يتعدى الستة ملايين نسمة.
بكل تأكيد أن الإرادة السياسية هي مصدر النجاح في بناء كل “حكومة نظيفة” قادرة على أداء مهامها على أحسن وجه، لأنه كما يقال لا يمكن تنظيف الدرج بكفاءة إلا من فوق، لأن الماء المسكوب من فوق سيجرف الأوساخ من أعلى الدرج إلى أسفله. وكل المحاولات “المتفذلكة” للتنظيف من تحت لن تكون إلا جهدا ضائعا يستهلك من الطاقة والوقت الكثير ولا يحقق المرجو من النتائج حتى وإن قطع رؤوس صغار الفاسدين، الذين عادة يقتدون بصنيع كبارهم الذين يتعلمون منهم خرق القانون واستغلال النفوذ مهما كان تافها ووضيعا.
وقد تم التعامل بمبدأ “من أين لك هذا” فطبق على كل شخصية عامة ثبت عليها الثراء المفاجئ ومظاهر النعمة التي لا تتوافق مع الدخل الشهري والإمكانات التي تتيحها الوظيفة، وأعطيت الصلاحيات لهيئة مكافحة الفساد ومكن جهاز القضاء من التحقيق والتدقيق في البيانات التي تسمح بالكشف عن سوء تصرف أو سلوك مشبوه مع إمكانية مصادرة كل أصول عينية أو نقدية مصدرها مشبوه أو ناتج عن رشوة أو فساد إداري أو ثراء بسبب المنصب.
وتجسيدا لهذا المبدأ يتحدث لي كوان يو، عن كثير من الحوادث والتحقيقات التي قادت وزراء وشخصيات عامة إلى المحاكم بسبب ممارسات فاسدة.
أدانت المحاكم السنغافورية سنة 1975 وزير البيئة عندما تبين أنه قام برحلة مجانية إلى إندونيسيا هو وعائلته على حساب رجل أعمال ناشط في قطاع العقارات، وقَبِلَ هبة، عبارة عن بيت ريفي بقيمة نصف مليون دولار، فأدين الوزير بأربع سنوات سجنا نافذة مع مصادرة كل الممتلكات التي نتجت عن الثراء غير المشروع.
ولعل أشهر قصة في تاريخ مكافحة الفساد في أعلى هرم السلطة التنفيذية في سنغافورة هي الرسالة التي تركها وزير التنمية الوطنية سنة 1986 قبل انتحاره والتي جاء فيها: “رئيس الوزراء.. تملكني شعور شديد بالأسى والاكتئاب.. أحسست أنني مسؤول عن هذا الحدث المشؤوم وعلي تحمل المسؤولية كاملة. وبوصفي رجلا شرقيا نبيلا وشريفا أشعر أن من الحق أن أنزل بنفسي العقوبة القصوى على خطئي” وكان ذلك نتيجة متابعته بتهم الفساد، وفضل الانتحار على أن يلاحقه العار طيلة حياته.
هذه الصرامة في تنظيف الحكومة من العناصر الفاسدة، مهما كان المنصب الذي يحتله الشخص، بل كلما كان المنصب رفيعا في السلم الإداري، كلما كانت الصرامة في التنقية أشد، وذلك كفيل بنشر روح المسؤولية والخوف من الوقوع في عار المذلة وإشاعة ثقافة عامة بأن الرشوة والفساد الإداري لا مستقبل له حتى وإن كان المرء الوزير أو ابن الوزير.
ويروي لي “كوان يو” أن الشرط الضروري لوجود حكومة نظيفة يبدأ أساسا من مرحلة الانتخابات، فكلما كان المال القذر هو مصدر المنصب السياسي، كان العمل السياسي ضحية ما نسميه عندنا بـ”الشكارة”، التي تحولت إلى عبء ليس على العملية الانتخابية فحسب بل على نظافة المؤسسة الحكومية، ونظافة الجهاز الإداري والبيروقراطية الرسمية. فمصدر الشر كما قال: لي كوان هو التكلفة المرتفعة للانتخابات وللمنصب السياسي، التي تجعل حتما مرحلة ما بعد الانتخابات هي مرحلة لاستعادة المال الذي تم صرفه للحصول على المنصب وتجهيز مال جديد للحملة المقبلة عبر استغلال النفوذ والتقرب من الوزراء والتأثير عليهم وبيع الصفقات العمومية والتوسط لدى المسؤولين الحكوميين والولاة لِلَيِّ عنق القانون لصالح رجال أعمال فاسدين عادة ما يكونون ذوي كفاءات متدنية يعوضونها بتوسيع الفساد والإفساد.. مما يجعل العمل السياسي موبوءا وملوثا، ودواليب الإدارة والبيروقراطية تعج بالأنشطة المشبوهة.
وهذه الأنشطة لا يمكن التستر عليها بل عامة المواطنين يكونون شهودا وتفاصيلها متداولة بدقة مذهلة مما يوسع دائرة التذمر الاجتماعي وينشر روح الاعتداء على القانون والرغبة في كسر هيبة المؤسسات وعدم احترام اللوائح التنظيمية وتكريس روح التواطؤ في الإفساد والتعاون على خرق القانون بكل الأشكال والحيل.
وقد لعبت القوانين المرافقة لإستراتيجية مكافحة الفساد في سنغافورة دورا مهما في تحقيق أهداف هذه الإستراتيجية وفي هذا يعبر “محمد علي” نائب رئيس مكتب التحقيقات في ممارسات الفساد (CPIB)، وهي الوكالة الوطنية الرسمية المكلفة بمتابعة كل مظاهر الفساد، ومقرها في مجلس الوزراء، ولها صلاحيات تتجاوز الوزير نفسه، يقول إن الإستراتيجية نجحت بفعل عدة عناصر أهمها:
• تشريعات قانونية ضد الفساد: عبر تشديد العقوبة وتوسيع دائرة المساءلة القانونية.
• تنظيمات إدارية ضد الفساد: مثل تسهيل الإجراءات الإدارية، وسد الثغرات التي تؤدي إلى التعسف في استغلال المنصب، ومراجعة رواتب موظفي القطاع العام حتى تتناسب مع مستويات المعيشة، ووضع شروط لإلغاء العقود مع مقدمي الخدمة حتى في وقت لاحق في حالة اكتشاف أن العقد تم تنفيذه بناء على محسوبية أو تفضيل غير مبرر قانونيا.
• مخططات وقائية ضد الفساد: حيث يحظر على موظفي القطاع العام أن يكون خاضعا لظرف مالي لأي شخص يتعامل معه، كما يتم الإعلان عن الأصول التي يملكها الموظف الحكومي أثناء تعيينه وفي كل سنة، كما يحظر عليه القيام بأي عمل مواز أو الانخراط في نشاط بيع أو شراء ما دام موظفا في الجهاز الحكومي. وهذه المتابعة كما تخص القطاع العام فإنها تخص أيضا القطاع الخاص حيث يملك مكتب التحقيقات صلاحيات متابعة مظاهر الفساد حتى في القطاع الخاص.
إن الفساد والرشوة وتعفن الجهاز الإداري من مظاهر ضياع هيبة الدولة مما يؤدي إلى التجاسر على القانون وسهولة التلاعب بالمنظومة التنظيمية واللوائح والتشريعات، وتصبح الأمزجة الشخصية هي البديل للقانون، والعصب المتضامنة هي التي تحتكر كل الامتيازات والأغلبية الساحقة مقصية من الحد الأدنى من أبسط الخدمات الحكومية ولا يحصلون عليها إلا بشق النفس وبمبالغ كبيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق