مقالات مختارة

القدس الشريف…الشمعة التي لا تنطفيء.. بقلم:فوزي بن حديد *

648x415_fideles-prient-esplanade-mosquees-a-jerusalem-14-novembre-2014-israel-autorise-premiere-fois-depuis-longtemps-tous

بينما ينشغل المسلمون في كافة أصقاع الأرض بمشاكلهم الداخلية وصراعاتهم الأثنية التي لا تنتهي نتيجة عدم الوعي بالقضية الأساسية وهي القضية الفلسطينية وتحديداً القدس الشريف، تلك القضية التي بقيت على الهامش منذ أن غرق المسلمون في وحل الصراعات المذهبية والقبلية والايديولوجية، وهي صراعات قديمة جديدة استعملها الأعداء لتأجيج نار الخلافات وتصدّع الصف الإسلامي الموحّد، وبعد أن اطمأنوا أن المسلمين اليوم غارقون في الملذّات والشّهوات زاد الصهاينة في إيغال المسلمين في الفساد إلى أخمص أقدامهم عبر موجات من الإغراءات المادية والأخلاقية، فظهر الطمع والجشع المالي والفساد الأخلاقي، وها هي الطامة الكبرى اليوم تحل علينا عندما نقرأ صفحات المذاهب الإسلامية وكيف لجأت إلى العنف والإرهاب وسيلة للوصول إلى الغاية المنشودة المفقودة حسب خيالاتهم العقيمة، وعندما لا نسمع حديثاً عن القدس الشريف ولا نرى تحركا ممن يسمون أنفسهم مسلمين يدافعون عن البيت العتيق.
وأمام هذه الصورة القاتمة التي عليها المسلمون بدا واضحاً أن العنجهية الصهيونية ستمتد أياديها القذرة إلى قلب القدس الشريف لتهدمه وتبني على أنقاضه هيكل سليمان المزعوم والموهوم وهو مخطط مرسوم منذ عقود، حكتها بروتوكولاتهم وأيّدها الواقع المرير الذي يعيشه الفلسطينيون اليوم من تكثيف للاستيطان واقتحام لبيت المقدس وحفريات مستمرة تحت الأرض عمت عنها المنظمات الدولية المسؤولة عن التراث وعن الدفاع عن المقدسات، كل تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع بل تركت مجالا واسعا للتحرك الصهيوني وأثبتت ضعف المسلمين في توحيد كلمتهم وإعلاء شأنهم في وجه الطغمة الصهيونية التي لا تعرف عهدا ولا ميثاقا ولا اتفاقية ولا معاهدة بل واصلت تعنتها وصلفها وجحودها واستمرت في عملها الوحشي والعبثي للاستيلاء على مزيد من الأراضي واستمرأت الوهن العربي والإسلامي.
وأمام هذا الخطر الداهم ينبغي على كل مسلم أن يتحرك، وأن يستشعر الخطر ولا يستكين لما يحدث في العالم من تغيرّات دراماتيكية همّشت دوره في الحياة والبناء وجعلته يعيش دائرة الصراع مع النفس والدين، بل عليه أن يحمل عقيدة الآباء والأجداد ويتحمّل مسؤولية الدفاع عن شرف بيت المقدس بكل قوة ودون تراخ، فاليهود لا تقرعهم الحجة ولا البرهان ولا المنظمات الدولية البائدة والمنتشرة في العالم ولا المفاوضات العبثية التي لم تهتد إلى حلّ، وإنما تقرعهم القوة الإيمانية ووحدة الصف والكلمة ومجابهة كل تصرف لهذه الطائفة المغضوب عليها والمطرودة من رحمة الله، أمازال المسلم لا يشعر بهذا الانتماء إلى هذه البقعة المباركة؟ ألم يحن الوقت لإظهار الشجاعة والبأس في وجه الطاغوت الصهيوني؟، فالبيت مهدد بالهدم والسقوط في أي يوم من الأيام وفي أي لحظة من اللحظات، أننتظر حتى يسقط فنسقط معه جميعا أم نبادر لشد الأحزمة والدفاع عن مقدس يمسّ المليار ونصف المليار مسلم؟ ألم يحن الوقت للكفّ عن المهاترات المذهبية والتعصب المقيت الذي لا فائدة وراءه ونوجّه إعلامنا وكل قنوات الاتصال نحو القدس الشريف؟ نقيم حملات دعائية لما تقوم به الآلة الصهيونية، ونكتب المقالات التحريضية التي تحرّض المسلمين أينما كانوا على التشبث بهذا المعلم الحضاري التاريخي، ونحسّس شبابنا بالفردوس الذي إذا فقدناه قد نفقد معه هوياتنا، ونعلّم أطفالنا وناشئتنا أن هذا البيت مبارك بنص القرآن الكريم وتشريف النبي العظيم بالصلاة فيه مع الأنبياء والمرسلين.
وأمام هذا الخطر الداهم على الأمة بأكملها أن تستنفر الجهد لتغير مناهج التعليم وتربي الطفل وتغرس فيه حب هذا البيت الذي عظّمه المولى- تبارك وتعالى -وجعله بقعة مباركة كما جاء في الآية الكريمة: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، فعندما خلا المنهج الدراسي من الحديث عن هذا المعلم الإيماني منذ أن أسرى الله – عز وجل – بعبده محمد – صلى الله عليه وسلم – ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مروراً بتعرّضه إلى حروب صليبية متعددة وتحريره في عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ثم في عهد صلاح الدين الأيوبي، ومنذ أن وقع الوعد المشؤوم وما كان ليقع لولا أن العرب والمسلمين في ذلك الوقت تهاونوا في أداء واجبهم والدفاع عنه بكل قوة، تحرك العالم نحو تدنيس الأقصى من جديد على يد اليهود الغاصبين، كل هذه الحقائق وغيرها لا بد أن يتشبث بها الناشئ المسلم وتصبح عقيدة واضحة راسخة لا لبس فيها لا يقبل أي مساومة فيها من قريب أو من بعيد، ولكن المناهج الإسلامية عموماً والعربية خصوصاً ارتأت إخفاء الحقائق التاريخية وتهميش الشباب عن قضيتهم الأساسية فكانت النتيجة تصدّع البنيان الإسلامي من الداخل وانهيار جسد الأمة السريع، الانهيار المدوي الذي يصعب معه الإصلاح.
من أين نبدأ الحديث وإلى أين ننتهي، فالأمر صار خطيرا وعلى علماء الأمة أيضا أن يُشعروا المسلمين في الأصقاع كافة بخطر انهيار البيت ولا يكتفون بالقول بل عليهم أن يقيموا حملات ومبادرات فردية وجماعية وزيارات ميدانية مكثفة لبيت المقدس؛ لأن لهم تأثيرهم الخاص على أتباعهم ومن يسترشد بأقوالهم، فإذا كان بيت المقدس في خطر فإن علماء الأمة أيضا في خطر لأنهم لم يخلصوا لله في هذا الأمر، ولم يبادروا إلى الحديث عن ما يجري في جنبات القدس الشريف ولم يكلفوا أنفسهم عنت تحريض المسلمين على الدعاء والإلحاح فيه من أجل أن يحمي الله- تبارك وتعالى -هذا البيت كما حمى بيته الحرام من أبرهة الحبشي.
لا ينبغي السكوت على ما يجري، بل من الواجب على كل مسلم أن يتحرك في مجاله لتوعية الآخرين بما يجري من أحوال في هذه البقعة المباركة، فالأمر لا يُحتمل وعلينا إعداد العُدة من أجل المواجهة مع العدو الصهيوني الذي خرّب البلاد ونهب الثروات واعتدى على المقدسات إنه من أوكد الواجبات، وعلى المسلمين أن لا يستسلموا للخنوع والخضوع لأحوالهم التي لا تسُرّ، ولا يندفعوا بحماس وعاطفة، لأن العاطفة تفور وسرعان ما تبور، بل عليهم أن يفكروا برويّة ويخططوا للمستقبل المشرق، ويواجهوا العدو الصهيوني بكل الوسائل لأنه لا يعرف إلا لغة القوة كما يبدو.
وكلما أظهر بنو الإسلام شجاعة في الدفاع عن الحرمات ظهر الجُبن في قلوب الأعداء، بل الخوف والوجل؛ لأن المسلمين لهم رؤية في الحياة والآخرة بينما اليهود يتشبثون بالحياة كما لو أنها تعني لهم كل شيء، وإذا فقدوا الحياة فقدوا معها وجودهم، وكلما تميّع المسلمون وابتعدوا عن منهج الدفاع، استأسد العدو وصار يبحث عن مواطن الضعف ليستغلها لصالحه ويورّط المسلمين في مشاكل لا حصر لها تصل إلى حد الانفجار بل والتكفير والتدمير.
لذلك لا بد من حل، والحل بأيدي منظمة التعاون الإسلامي وبأيدي علماء الأمة وبأيدي رابطة العالم الإسلامي وجامعة الدول العربية والمثقفين من بني الأمة في كافة المجالات أن يكثفوا حملاتهم على إسرائيل باعتبارها دولة محتلّة تعبث بالقانون الدولي، وبالقانون الإنساني، ولا تلتزم بالمواعيد ولا بالمواثيق ولا بالاتفاقات التي جرت بينها وبين الفلسطينيين، وعلى الأمة إذا أرادت إسعاده ما افتك منها بالقوة أن تتسلح أولا بسلاح الإيمان القوي بالله- تبارك وتعالى -وثانياً بسلاح الأخلاق الفاضلة التي توصله إلى برّ الأمان، فالإسلام كتلة واحدة لكي ينهض فلا تركيز على العبادات دون المعاملات والأخلاق بل هو مزيج من العبادات والمعاملات والأخلاق كلها تتشكل في المسلم لتكوّن شخصية مثالية لها أهدافها ومراميها ورؤاها للحياة وللوجود تعيش في ظل الله ومع الله وتستعين بالله في كل المهمّات، ولها حدود وحرمات لا تتعداها مهما كان عنوان التحدي؛ لأن من تعدى حرمات الله وحدوده فقد ظلم نفسه واتبع هواه، ومن اتبع هواه فقد خسر كل ما لديه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق