مقالات مختارة

هكذا ننتصر لهويتنا- بقلم سلطان بركاني

2014-ecolier6_385877854
ردود الأفعال التي لا تزال تتوالى على الاستفزازات التي تتعمّدها وتصرّ عليها الأقلية المتعلمنة في هذا البلد بتدرّجها في محاصرة عناصر الهوية في المنظومة التربوية، من دائرة إلى دائرة أضيق منها، بالتّزامن مع علمنة وتغريب الثّقافة والإعلام، أعطت دليلا آخر على أنّ هذا الشّعب المسلم، مهما لاح منه من مظاهر ربّما تُغري المتآمرين، إلا أنّه لا يقبل أن يُمسّ دينه وتصبح هويته غرضا لأصحاب المشاريع المشبوهة الذين يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون.

هي هبّة كان لا بدّ لها أن تكون وتستمرّ، حتى يعرف المتآمرون قدرهم ويدركوا حجمهم، ويضطروا إلى التّراجع خطوات إلى الوراء، لكنّها –أي الهبّة- ينبغي أن تكلّل أيضا بمراجعات صادقة، نتلمّس خلالها علاقتنا بديننا وثوابتنا وهويتنا، لأنّه لولا ما لاح للعلمانيين من مظاهر وأحوال تدلّ على اتباع بعضنا لخطوات شياطين الإنس والجنّ وابتعادهم عن كثير من مبادئ دينهم، لما تجرّؤوا على استهداف عناصر الهوية في المنظومة التربوية وفي الثّقافة والإعلام، ولما تعالت أصواتهم بأقوال وكلمات كانوا قبل سنوات قليلة يتهامسون بها في مجالسهم الخاصّة.

إنّه ما كان للأقلية المتعلمنة أن تزحف على عناصر الهوية وتصر على تحدّي شعب عجز الاستعمار عن خلعه من هويته، لولا أنّها رأت كيف أنّ بعض الجزائريين غيّبوا التربية الإسلاميّة عن بيوتهم، وعن شوارعهم وأسواقهم؛ يخرج أبناؤهم صباح كلّ يوم متّجهين إلى المدارس بتسريحات غريبة مزرية، وألبسة ضيّقة مبتذلة، وتخرج بناتهم وقد لبسن السّراويل الضيّقة وأسدلن الشّعور وتفنّنّ في وضع المساحيق والعطور، وكأنّهن في حفلة عرس، بل ما عاد الحجاب في نظر بعضهنّ يتجاوز قطعة قماش توضع على الرّأس أو على جزء منه، ولا يضرّ من فعلت ذلك أن تلبس الضيّق وتمشي متمايلة وتحادث زملاءها بكلّ طلاقة وتضاحكهم وتمازحهم!… وعندما يعود التلاميذ والطّلبة إلى البيوت في المساء، لا يكادون يجدون بين جدرانها شيئا يذكّرهم بدينهم وهويتهم؛ الوالدان منهكان من العمل، ولا وقت لديهما ليجمعا أبناءهما على سماع كلمات تخاطب قلوبهم وعقولهم وتحبّب إليهم دينهم. لا وقت للقرآن ولا لمتابعة القنوات الدينية الهادفة، ولا للمطالعة النّافعة؛ الوقت كلّه لمتابعة المسلسلات وتصفّح الإنترنت، والتواصل مع الأصدقاء والصديقات، لمشاركة جديد المقاطع والصور في عالم الرياضة والفنّ وأمور أخرى.

من واجبنا أن نعلن النّكير على سعي الأقلية المتعلمنة للتّقليل من أهمية التربية الإسلامية في قطاع التّعليم، وأن نرابط لأجل حفظ وترقية مكانتها، لكن من واجبنا أيضا أن نتساءل عن حظّ التربية الإسلامية في برامجنا اليومية، في بيوتنا وشوارعنا وأسواقنا وفي معاملاتنا؟ كم جعلنا للتّربية الإسلاميّة ولديننا من أوقاتنا كلّ يوم؟ بل كلّ أسبوع؟ كم حصّة خصّصناها للتربية الإسلاميّة في بيوتنا كلّ أسبوع؟ من منّا يجلس مع أبنائه ساعة كلّ أسبوع يذكّرهم فيها بواجباتهم الدينية ويحذّرهم وسائلَ الفساد ورفقاء السّوء وطرق الغواية والرّدى؟ من منّا يجلس مع أبنائه ساعة كلّ يوم أمام قناة دينية هادفة لمتابعة درس نافع؟ من منّا يهتمّ بمحافظة أبنائه على صلاتهم في أوقاتها كحرصه على حضورهم الحصصَ الدراسية؟ من منّا يتعب في اختيار لباس أبنائه ويحرص على أن يكون لائقا بشباب مسلمين، كحرصه على توفير الكتب والكراريس والمراجع؟ من منّا يهتمّ بلباس بناته وبأخلاقهنّ في الشّارع والمدرسة كما يهتمّ بتوفير حقوق دروس الدّعم؟… ربّما تكون الإجابة عن مثل هذه الأسئلة محرجة لكثير منّا، والأهمّ من ذلك أنّها ربّما تكشف عن سبب من أهمّ الأسباب التي أغرت العلمانيين بمحاصرة عناصر الهوية في التعليم والثقافة والإعلام.. لأجل هذا ينبغي أن تتزامن حملة الدّفاع عن عناصر الهوية في الإعلام والثّقافة وفي المنظومة التربويّة، مع حملة شعبية نتداعى فيها للتّصالح مع عناصر الهوية في البيوت والشّوارع والأسواق وفي كلّ مكان، عندها فقط سيوقن المتآمرون ومن يؤزّهم من وراء البحار أنّ الشّعب الجزائريّ سيظلّ يقدّم الدّروس القاسية لكلّ من يروم دينه ومبادئه.
المصدر – جريدة الشروق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق