أركان خاصةالبصائر

مكة المكرمة زادها الله تشريفا

بقلم: د. إبراهيم نويري ـ باحث أكاديمي

mekka_125633117

مكة المكرمة زادها الله تشريفاً وتعظيماً، هي منزل الوحي الخاتم، ومهوى أفئدة أهل الإيمان والإسلام في كلّ مكان وزمان، تتجه لها جباه الساجدين في كلّ حين وآن، وقد ورد ذكرها ــــ لمكانتها الشريفة ــــــ في عدة مواضع من كتاب الله تعالى، حيث جاء ذكرها بأسماء عديدة متنوعة أبرزها: بكة..مكة..أم القرى..البيت..البلدة..البلد..الحرم الآمن..البلد الأمين.. الكعبة. البيت الحرام..
أما أقلام علماء المسلمين فلم يجف حبرها في أيّ مرحلة من مراحل التاريخ، وهي تكتب عنها وعن مكانتها ومآثرها الخالدة، فالكتب التي أُلفت عنها لا يُعرف لها عدٌّ وثيق أو إحصاء دقيق، من أشهرها ذكراً في المكتبة الإسلامية: كتاب مكة وأخبارها في الجاهلية والإسلام للفاكهي، وكتاب جبال وأودية مكة وأسماؤها لأبي الأشعث بن مخراق، وكتاب قصة الكعبة لأبي عبيدة، وكتاب أخبار مكة للواقدي، وكتاب بناء الكعبة للمدائني، وكتاب فضائل مكة على سائر البقاع لأبي زيد البلخي، وكتاب مكة وحفر زمزم لأبي إسحاق العطار، وكتاب التاريخ القويم لمكة والبيت الكريم لمحمد طاهر الكردي المكي…الخ .
الآراء المشهورة في بدء بناء الكعبة:
أما عن اللحظة الزمنية التي وُضع فيها الحجر الأساس الأول لبدء بناء وتأسيس الكعبة المشرفة، التي هي أصل ظهور مكة المكرمة، فقد اختلف أهل العلم والدين والتاريخ في ذلك على ثلاثة أقوال:
ـ القول الأول:
أن الوضع تم قبل خلق آدم عليه السلام، وأن الله عز وجل وضعه بقدرته التي أقامت الكون كله، أي أن الوضع الأول للكعبة لا يد فيه لأحد من البشر…قال أبو هريرة رضي الله عنه:” وكانت الكعبة خشفة على الماء وعليها ملكان يسبحان الله تعالى، الليل والنهار وذلك قبل خلق الأرض بألفي عام”( والخشفة الأكمة الحمراء).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما كان عرش الرحمن على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض بعث الله ريحاً فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة في موضع البيت كأنها قُبّة، فدحا الأرض من تحتها. كما قال الله تعالى:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}[النازعات:30].
وقال مجاهد: لقد خلق الله عز وجل موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي عام، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. وقال كعب الأحبار: كانت الكعبة غشاء على الماء قبل أن يخلق الله الأرض والسموات بأربعين سنة. وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كان قبل هبوط آدم عليه السلام ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة فلما هبط آدم إلى الأرض أنزل الله عليه الحجر الأسود فأخذه فضمه إليه استئناساً به (وكأنه استوحش من طبيعة الحياة الطينية الجديدة)…ثم حجَّ آدم عليه السلام فقالت له الملائكة: لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. فقال آدم: ربّ اجعل له عُمّاراً من ذريتي. فأوحى الله تعالى إليه: إني معمّره ببناء نبي من ذريتك اسمه إبراهيم.
ـ القول الثاني:
أن الملائكة هي التي بنته: قال أبو جعفر الباقر: لما خاطبت الملائكة ربها عزّ وجلّ، وقالت:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} غضب الرب عز وجل عليهم فلاذوا بالعرش مستجيرين يطوفون حوله، يسترضون رب العالمين فرضي سبحانه وتعالى عنهم فقال لهم الله عز وجل: ابنوا لي بيتاً في الأرض يعوذ به كلُّ من سخطتُ عليه كما فعلتم أنتم بعرشي.
ـ القول الثالث:
أن آدم لما أُهبط من الجنة إلى الأرض أوحى الله إليه أن ْابنِ لي بيتاً واصنعْ حوله كما صنعتْ الملائكة حول عرشي، وافعل كما رأيتهم يفعلون، فبناه عليه السلام.
روى أبو صالح عن ابن عباس، وروى عطية عنه أيضاً، قال: بنى آدم البيت في خمسة أجبل: طور سينا وطوزيتا ولبانو الجردى وحراء. وقال وهب بن منبه: لما مات آدم بناه بنوه بالطين والحجارة فنسفه الغرق. قال مجاهد: وكان موضعه بعد الغرق أكمة حمراء لا تعلوها السيول، وكان يأتيها المظلوم ويدعو عندها المكروب والمغموم .
أما قوله تعالى:{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}؛ فحسب رأي وفهم سراج الدين بن الوردي صاحب كتاب (خريدة العجائب وفريدة الغرائب) لهذه الآية الكريمة فإن إبراهيم وإسماعيل هما أول منْ بنى البيت بعد الطوفان، لكن على القواعد الأزلية الأولى، كما تدلّ كلمة (وإذْ يرفعُ)، وبذلك نُسب بناء البيت إلى إبراهيم الخليل وإسماعيل عليهما السلام، لكن هذه النسبة تنطبق على تجديد البيت بعد حادث الطوفان الذي أتى على أركانه القديمة.
غير أن ابن الوردي استدرك على رأيه بعبارة (والله سبحانه وتعالى أعلم)..مما يشي بأنه مجرد رأي قد يكون رَجَحَ عنده، أو فهم مال إليه، من جملة الآراء والتأويلات الواردة في الموضوع .
ومن الكلام الذي له اعتبار في هذا السياق قول الشيخ وصي الله عباس: ” لا توجد في إثبات بناء الكعبة الشريفة رواية مرفوعة ولا موقوفة صحيحة، وما وُجد فهو من أقوال بعض التابعين، أو أتباع التابعين، وبعض الإسرائليات..”(المسجد الحرام تاريخه وأحكامه ص 190).
أطهر مكان على ظهر الثرى:
لكن أيا ما كان الأمر…المهم بل الأهم أن هذا المكان أطهر مكان على وجه المعمورة، وأن منزلته في أفئدة المسلمين أثيرة ، فهو منزل الوحي الكريم، الذي ختم الله تعالى به صلة الأرض بالسماء، وفيه من الأسرار ما لا يعلمه إلا الله تعالى..وصدق الرحالة المسلم ابن بطوطة الذي وصل مكة المكرمة في الأيام الأولى من شهر شوال سنة 726هـ، وبعد أن بهره سحر المكان، واستولى على لبه ألق الإيمان، كتب ـ عليه شآبيب الرحمة ـ يقول: ” ومن عجائب صنع الله تعالى أنه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حبها متمكناً في القلوب، فلا يحلها أحدٌ إلاّ أخذت بمجاميع قلبه، ولا يفارقها إلاّ أسفاً لفراقها، متولهاً لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناوياً لتكرار الوفادة عليها، فأرضها المباركة نُصب الأعين، ومحبتها حشو القلوب، حكمة من الله بالغة؛ والشوق يحضرها وهي نائية، ويمثلها وهي غائبة، ويهون على قاصدها ما يلقى من المشاق ويعانيه من العناء. فكم من ضعيف يرى الموت عياناً دونها، ويشاهد التلف في طريقها، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسروراً مستبشراً، كأنه لم يذق مرارة ولا كابد محنة ولا نصباً..إنه لأمر إلهي وصنع رباني، ودلالة لا يشوبها لبس ولا تغشاها شبهة ولا يطرقها تمويه، تعزّ في بصيرة المستبصرين، وتبدو في فكرة المتفكرين. ومن رزقه الله تعالى الحلول بتلك الأرجاء والمثول بذلك الفناء، فقد أنعم عليه النعمة الكبرى، وخوّله خير الدارين الدنيا والآخرة، فحقّ عليه أن يكثر الشكر على ما خوّله، ويديم الحمد على ما أولاه، جعلنا الله تعالى ممن قُبلت زيارته، وربحت في قصدها تجارته، وكتُبت في سبيل الله آثاره، ومحُيت بالقبول أوزاره …”.
رحم الله تعالى الرحالة المسلم ابن بطوطة الذي شُغف حبا بمكة المكرمة والكعبة الشريفة، فأخذ يحبب المسلمين ويرغبهم ـ عبر صفحات رحلته الشهيرة ـ في شد الرحال إلى بيت الله العتيق، وأداء فريضة الحج، وتحمّل المشاق ـ التي كانت في ذلك الزمان ـ في سبيل الاستمتاع الروحي والاطمئنان النفسي الذي يستشعره كلّ مَن يوفقه الله تعالى لزيارة بيته العتيق الآمن وتقبيل الحجر الأسود، والصلاة في جوار الكعبة الشريفة، وعلى ثرى أطهر مكان في الأرض.
إن هذا المعنى عميق أصيل في نفسية وروحية وفكرية كل مسلم..ولله درّ الشاعر الذي صور هذه العاطفة إزاء الكعبة باعتبارها رمزاً لعزة المسلمين ووحدتهم فقال:
قدسية الكعبة في جمعها
أمتنا في كلّ أقطارها
وأنها محور أمجـادها
وأنها مصدر أنوارها
أما الشاعر العالم المفكر محمد المجذوب، رحمه الله، فقد طفحت مشاعره فلم يستطع كبح جماحها، وهو يقف في رحاب الكعبة الطهور..حيث تدفقت تلك الحالة التي استولت على كلّ جوانح القلب والنفس..فقال:
بحرٌ من الخلق لا يُحصى له عددُ
فيه من الأبحر الأمواج والزبدُ

يطوف بالبيت سيلاً لا نفاد له
إذا مضى مدد منه أتى مدد

تسري ضراعته في الأفق لاهبةً
فكلّ شيء به نشوان يرتعد

تكاد في غمرها الأجساد من لَهَفٍ
يحيلها الشوق أنوارا فتّتقد

والدمع من لذعها هام فلا خجل
يكفّ جريته الحرّى ولا جلد

تذكرت شأنها يوم الحساب وقد
سيقت إلى العرض لا عون ولا سند

تود لو أنها في الأرض ما وجدت
ولا ألم بها مال ولا ولد

فاستصرخت رب نفسي غير سائلةٍ
سوى النجاة وقد أودى بها الكمد

يذكي لواعجها طيفُ الذنوب فما
تكاد تبصر غير الهول يحتشد

وتنجلي نفحات العفو عن كثب
فتستقر بُعَيْدَ اللوعة الكبد

والنفس في غمرة النجوى قد انطلقت
من أسرها فغدت روحاً ولا جسد

شفّت فما يتراءى في بصيرتها
سوى المليك الذي قد صاغها أحد

فيا لها جلواتٍ من فيوض هدىً
تعيا بلمح سناها الأعين الرمدُ

بها تجلّى على تلك الوفود وقد
وافته تبغي رضاه الواحد الصمد
• هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الهادي البشير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق