البصائرتحاليل وآراء

هل تحولت الوكالات العقارية إلى وكر للمحتالين؟ عبد الحميد عبدوس

house-from-premier-builders-in-carthage-mo-64836-home-builders-5
يشتكي كثير من المواطنين من مظاهر الفساد والغلاء والفوضى التي تميز سوق العقار في الجزائر، وكذا ممارسات الغش والنصب والاحتيال والإجراءات المشبوهة التي تطبع سلوكات بعض أصحاب الوكالات العقارية التي تعد وسيطا أساسيا ورسميا في مجال الخدمات العقارية، حيث تنص المادة الثانية من المرسوم التنفيذي المتعلق بممارسة مهنة الوكيل العقاري الصادر سنة 2009 على أنه : ” يعد وكيلا عقاريا كل شخص طبيعي أو معنوي يلتزم بموجب وكالة وبمقابل أجر بالقيام بخدمات ذات طابع تجاري كوسيط في الميدان العقاري أو في ميدان الإدارة والتسيير العقاريين لحساب أو لفائدة مالكين”.
ولكن تبقى النصوص مجرد حبر على ورق بسبب غياب الرقابة، ويبدو أن ملفات الفساد في أوساط أصحاب الوكالات العقارية قد وصلت إلى مكتب الوزير الأول عبد المالك سلال الذي أمر وزير الداخلية بفتح تحقيق في الموضوع.
منذ بضعة أيام أخبرني من لا أتهم، أنه تعرض في ظرف حوالي شهرين إلى محاولتي نصب واحتيال من طرف شخصين تم تقديمهما له بواسطة صاحبي وكالتين عقاريتين واقعتين بباب الوادي غرب العاصمة.
صاحب الوكالة العقارية الأولى كان يبدو شيخا حسن المظهر، عرض عليه تقديمه إلى شخص يبيع مسكنا أرضيا قديما ببلدية عين البنيان بسعر معقول، وأكد له أنه يعرف صاحب المسكن معرفة جيدة، وأنه سيتولى بعد عملية البيع تحويل وصل الكهرباء والماء باسمه في غياب عقد الملكية، وطمأن صاحب الوكالة العقارية محدثنا بأن أغلب معاملات بيع العقارات القديمة التابعة لأملاك الدولة تتم بهذه الطريقة، أي بواسطة تحويل وصلي الكهرباء والماء من البائع إلى المشتري، ثم تتم عملية تسوية الوضعية لاحقا في البلدية، وأنه هو نفسه اقتنى مسكنه الكائن بنفس البلدية بالطريقة المذكورة آنفا، وبالفعل، تم الاتصال بصاحب المسكن وبعد المفاوضات حول السعر وكيفية إتمام إجراءات البيع، تم تحديد موعد بين الطرفين بحضور صاحب الوكالة العقارية لتسليم المبلغ المتفق عليه واستلام مفاتيح المسكن.
محدثنا أكد أنه يقوم دائما في مثل هذه الحالات بأداء صلاة الاستخارة ثم استشارة الأصدقاء، وقد أشار عليه بعضهم بالتوجه إلى مصالح بلدية عين البنيان والاستفسار عن وضعية ذلكم العقار، وكم كانت مفاجأته كبيرة عندما أخبر أن المسكن المذكور تم إحصاؤه ضمن برنامج القضاء على البنايات الهشة، وأن صاحب المسكن من المعنيين بالترحيل بعد أن قدم دفتره العائلي في إطار عملية الإحصاء!
صاحب الوكالة العقارية الثانية كان يبدو شابا دائم الابتسام، توجه إليه محدثنا بعد تزايد إلحاح الحاجة للعثور على سكن يأوي ابنه البكر الذي ينوي تزويجه وعرفه بمقر الوكالة على شخص ادعى أنه يبيع شقة من غرفتين ببلدية أولاد فايت بسعر مغر، انتقل محدثنا مع صاحب الشقة المزعوم إلى أولاد فايت وتفرج على الشقة التي كانت في حالة جيدة غير أنها كانت مازالت تحتوي على بعض الأثاث والأدوات الكهرومنزلية، صاحب الشقة المزعوم سلمه مفاتيح الشقة حتى يتمكن الابن من معاينتها قبل الانتقال إليها، وتم الاتفاق بين محدثنا وصاحب الشقة المزعوم على اللقاء عند الموثق لتحرير وثيقة اعتراف بدين مقابل وعد ببيع الشقة التي كانت تابعة لديوان الترقية والتسيير العقاري، وعندما طلب الأستاذ الموثق من صاحب الشقة المزعوم عقد الإيجار ووثائق الهوية، ادعى أن الشقة هي باسم صهره وأنه وكله بالتصرف في بيعها، وعندما طلب منه تقديم وثيقة التوكيل أدعى أنه يملك توكيلا شفويا فقط، وأن صهره يضع فيه كامل الثقة للتصرف نيابة عنه، طبعا رفض الموثق تحرير وثيقة اعتراف بدين بناء على توكيل شفوي، وأوضح له أنه حتى في حال حيازته على عقد الملكية فإنه لا يستطيع بيع شقة تابعة لديوان الترقية والتسيير العقاري إلا بعد انقضاء مدة عشر سنين من حيازة عقد الملكية، حسب قانون التنازل عن أملاك الدولة، ولا يستطيع حتى تحويل عقد الكراء على اسم المشتري الجديد، وادعى صاحب الشقة المزعوم أن له معارف على مستوى ديوان الترقية والتسيير العقاري تمكنه من تسوية مشكل تحويل العقد، وعند هذا الحد اشترط محدثنا على صاحب الشقة المزعوم الحضور الشخصي لصاحب الشقة الحقيقي الذي يكون وحده مؤهلا للتنازل عن الشقة مقابل تسليمه المبلغ المتفق عليه بعد تحرير وثيقة الاعتراف بدين على اسم صاحب الشقة الحقيقي وليس باسم موكله المزعوم، وهنا اعترف صاحب الشقة المزعوم بأن صهره لا يمكنه الحضور ولكنه يستطيع أن يرسل له توكيلا مكتوبا من الصحراء حيث يتواجد. ومن جديد رفض الأستاذ الموثق هذا الاقتراح، وبعد سلسلة من الأكاذيب والعديد من المراوغات الهادفة إلى تحصيل مبلغ الشقة أو على الأقل على جزء منه كتسبيق حتى لا تضيع الشقة من المشتري، كما ادعى تبين بالاستنتاج المنطقي لمحدثنا وحتى للموثق، أن صاحب الشقة المزعوم ورغم مظهره الأنيق وملامحه السمحة هو مجرد رجل محتال يستعمل الشقة والمفاتيح التي يستخدمها لعرضها على المشترين المحتملين كطعم للإيقاع بمن تدفعهم أزمة السكن إلى القفز على كل فرصة تلوح لهم لحل مشاكلهم أو مشاكل أبنائهم السكنية. ولكن الغريب في الأمر أن صاحب الوكالة العقارية هو المسؤول الأول من مثل هذه الآفات، حيث سمح لنفسه أن يقدم دون تثبت، أو حرج أو تأنيب ضمير رجلا محتالا لزبون من زبائنه على أنه صاحب شقة معروضة للبيع، رغم أنه من المفترض ألا يقوم بعملية الوساطة العقارية بين البائع والمشتري إلا بعد التثبت من صحة وثائق الشخص الذي يتوسط له ويقدمه لزبائنه لأن المرسوم التنفيذي لمهنة الوكيل العقاري يفرض عليه أن يكون متمتعا ” بالأخلاق الحميدة والمصداقية وأن لا يكون تحت طائلة أي شكل من أشكال عدم الأهلية”.
ومهما يكن فإن محدثنا الذي تعرض في ظرف قصير إلى محاولتي نصب واحتيال من طرف أصحاب وكالات عقارية أو المتواطئين معهم يبقى أحسن حالا من بعض النماذج التي تعرضت بسبب أصحاب الوكالات العقارية في أكل أموالها بالباطل وهذه عينة على ذلك نشرتها الصحافة عن هذه القضية: ”
(بدر الدين) يبلغ من العمر 38 سنة يمارس نشاطا تجاريا رفقة والده، وبعد أن قرر الزواج وعده والده أن يشتري له شقة حتى يسكن فيها هو وزوجة المستقبل كما فعل مع أشقائه الذين هم أكبر منه وبدأ (بدر الدين) يبحث عن شقة مناسبة له إلى أن عثر على وكالة عقارية بحسين داي بالجزائر العاصمة صاحبها قدم له عرضا ممتازا، فقد اقترح عليه أن يبيعه شقة من ثلاث غرف في أحد الأحياء بذات البلدية (حسين داي) بمبلغ 850 مليون وأخذه صاحب الوكالة العقارية إلى الشقة وفرجه عليها وقد أعجبت الزبون كثيرا واتفق معه على شرائها فدفع له مبلغ 450 مليون كدفعة أولى من ثمن البيت على أن يسلمه الدفعة الثانية حين يسكن وبعد مضي عشرة أيام على دفع المبلغ وتحويل ملكية البيت باسم (بدر الدين) قام هذا الأخير بأخذ دهان معه ليطلعه على البيت حتى يقوم بدهن جدرانه قبل أن يتزوج فيه، ولكنه فوجئ حين قام بمحاولة فتح باب البيت بأن المفتاح لا يدور في الباب إلى أن قامت سيدة بفتحه من الداخل ففوجئ بدر الدين كثيرا وبعد الاستفسار أخبرته السيدة أنها صاحبة البيت وأنها كانت تعيش في الخارج وقد عادت لبيتها وهو الأمر الذي أصاب (بدر الدين) بذهول كبير فذهب إلى الوكالة العقارية ليبحث عن صاحبها فأخبره صاحبها الحقيقي أن من باعه الشقة كان يعمل لديه فقط وهو ليس المالك الأصلي للوكالة، بالإضافة إلى هذا فقد احتال عليه وهرب إلى الخارج بعدما باعه شقة أخته بعقد مزور وعلى ما يبدو فإن السيد(بدر الدين) ليس الضحية الوحيدة، فإن هذا المحتال قام ببيع شقة أخته لثلاثة زبائن آخرين بعقود مزورة جنى من خلالها أموالا طائلة وقام بالهروب إلى خارج الوطن ليقوم السيد بدر الدين بعدها بتحرير شكوى ضده عساه يعود يوما إلى الجزائر فتقبض مصالح الأمن عليه …”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق