مقالات مختارة

اعمل بجد، تمتع، وأصنع التاريخ- بقلم رياض حاوي

14495265_1732891350305883_2163324288487726547_n
“اعمل بجد، تمتع، وأصنع التاريخ” هذا هو شعار شركة أمازون العالمية للكتب التي أسسها رجل الأعمال الأمريكي “جاف بيزوس”. الناس يتوقعون أن كل المهن يمكن أن تجعلك غنيا إلا مهنة بيع الكتب. لكن الآن أصبح هذا التوقع غير صحيح؛ لأن أكبر بائع كتب عالميا أصبح الرجل الثالث الأكثر غنا بثروة تقدر بـ 64 مليار دولار متجاوزا عملاق البورصة “وارن بوفيه” وقريبا من “بيل غايتز” مؤسس ميكروسوفت و”أورتيغا” مؤسس علامة زارا.
عندما تخرج من الجامعة اشتغل بيزوس فترة في “وال ستريت” عندما كان الطلب على تقنيي الكمبيوتر متزايدا، ولكنه في 1994 استقال من عمله وقرر فتح متجر الكتروني في الانترنيت وكانت التجارة الالكترونية في بدايتها. لا أحد كان يتصور أن الكتب يمكن أن تجلب الثروة، لكن هذا الرجل شعر بأن الإنسان في حاجة إلى تغذية عقله كما هو في حاجة إلى تغذية بطنه. وبالفعل لم تمر الثلاثين اليوم الأولى على افتتاح متجر أمازون الالكتروني لتجارة الكتب حتى باع كتبا في 45 بلدا وبلغت المبيعات عشرين ألف دولار في أسبوع.
كان هناك تعطش عالمي للكتب وخاصة أن الإنتاج الأمريكي في الكتاب غزير، ومتنوع إضافة إلى أن الأمريكيين فنانين في صناعة الكتب المعاصرة، وذلك منذ أواسط القرن العشرين والمعروف عن الأمريكي أيضا أنه كثير الإنتاج في مختلف الميادين والمجالات.
والعالم من حولهم متعطش لهذه الكتب وللمعرفة عموما، وكانت تلك هي الانطلاقة الحقيقية لهذا المشروع الناجح.
قفزت مبيعات أمازون من 500 ألف دولار سنة 1997 إلى 107 مليار دولار سنة 2015، بعد أن نوعت من منتجاتها المعروضة ولكن بقي راسخا في ذهن زوار الشبكة العنكبوتية أن أمازون هو موقع لبيع الكتب.. القديم والجديد..وحتى المستعمل.
من مستودع بيته في “بالفيو” في واشنطن، كانت انطلاقة هذه التجربة التي عممت المعرفة ونشرت الكتب في العالم بأسعار زهيدة، وفي وقت قياسي يمكنك أن تحصل على آخر كتاب تريده أو أي كتاب آخر تحتاجه.
وطبعا ساعدت العملة الالكترونية العابرة للقارات عبر بطاقات “فيزا كارت” و”الماستر كارد” على هذا الانتشار المهول.
ثورة التجارة الالكترونية بدأت بتجارة الكتب وهذا ما جعل صحيفة التايم تسمي بيزوس رجل السنة لعام 1999 لأن فكرة المخزن الالكتروني الذي يعرض آلاف عناوين الكتب ويوفرها بمجرد ضغطة الكترونية فتحت المجال لتوسع التجارة الالكترونية إلى مختلف المجالات الأخرى، حتى أنها اليوم في دول أمريكا واليابان وماليزيا وسنغافورة وغيرها تهدد التجارة العادية وأنماط التسوق التقليدية بالذهاب إلى المحل والبحث عن الاختيار وفي بعض الأحيان الاضطرار إلى الذهاب لمحل مجاور وثالث ورابع حتى تمل أقدامك من المشي.
اليوم بضغطة زر يمكن أن تتصفح آلاف الكاتلالوغات وأنت جالس في بيتك وتشتري ما تحتاج من بضاعة من بلدك أو من بلد آخر بعيد وتستلمها في بيتك عبر تطور خدمات البريد السريع. لما ظهرت الانرتنيت قال البعض هذا نهاية لمؤسسات البريد. وبالفعل لم يعد أي شخص في حاجة إلى بعث رسالة بالبريد، فمجرد إيمال تكتبه أينما تكون وترسل فيه ما تريد بما في ذلك الصور والمستندات، لكن ظهور التجارة الالكترونية أعاد إنعاش خدمات البريد بل توسعت إلى عدة مؤسسات خاصة تقوم بتسليم المنتجات من مخزن الشركة إلى بيت الزبون. وبتكلفة تقل في كثير من الأحيان عن شراء المنتج من محل مجاور، لأن صاحب البضاعة لم يدفع كراء المحل ولا راتب الموظفين، وربما بإلغاء الكثير من الوسائط التجارية المتعددة.
فكرة التجارة الالكترونية توسعت حتى إلى المطاعم الذين يعرضون خدمات مغرية ووجبات بأسعار أقل من المعتاد لرواد المطاعم وتوسعت إلى الفنادق والخدمات السياحية حيث يمكن أن تحجز في الفندق الذي تشاء بالسعر الذي تشاء في الوقت الذي تشاء بمجرد ضغطة على زر الكمبيوتر أو الفأرة.
إن جامعات عريقة تعرض “كورسات” ومقاييس جامعية على طلاب في مختلف الدول، وتستطيع أن تسجل في جامعة “ستنافورد” وجامعة لندن وطوكيو وبنسلفانيا وغيرها، وتشارك في آخر محاضرات لكبار الأساتذة وتدفع مبلغا رمزيا لا يتعدى 49 دولار ويتم اختبارك وأنت جالس في بيتك بطرق فنية معينة وتحصل على شهادتك ممهورة بختم عميد الجامعة. وهناك مواقع متخصصة مثل موقع كورسيرا وموقع أكاديمية خان.
خان شاب بنغلاديشي أمريكي كان يعمل هو أيضا في بورصة وول ستريت، ولما ظهر اليوتوب قرر أن ينزل محاضرات تعليمية تتعلق بشراء الأسهم والبيع في البروصة لأبناء عمومته وأصحابه في بنغلاديش بلده الأم. وقد سمع ملاحظة من أحد أبناء عمومته بأننا نستفيد من فيديو اليوتوب أكثر مما نستفيد لو أنك أنت شخصيا موجودا أمامنا لأنه ببساطة يمكننا أن نعيد اليوتوب في الوقت الذي نشاء ونكرر المحاضرة مرات ومرات ولكن لا نستطيع أن نطلب منك أنت أن تعيدها علينا مرات كثيرة. فانقدحت فكرة في رأسه وهو ضرورة تأسيس أكاديمية تعليمية لمختلف التخصصات وهي عبارة عن مكتبة الكترونية لمواد الفيديو التعليمية فأسس مؤسسة خان للتعليم التي تعتبر رائدة من رواد نشر المعرفة والعلم في العالم.
تجارة الكتب عبر الانترنيت لم تجلب ثروة ومال لصاحب الفكرة فحسب، وإنما غيرت وجه التجارة العالمية ونشرت المعرفة بشكل غير مسبوق. سابقا كان من الصعب نشر كتاب خارج نطاق ضيق لكن الآن أصبح للكتب زبائن عبر الكرة الأرضية وفي مختلف الدول.
الجيل الذي سيولد الآن ولاحقا قد يصعب عليه فهم كيف كنا نبيع ونشتري نحن ومن كان قبلنا من الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق