حدث وتعليق

استقرار قيمة النقود مقصد شرعي وضرورة اقتصادية

2015-03-2323-32-27-159889-argent-555x318

الدكتور لحلو بوخاري أستاذ الاقتصاد والتمويل الدولي
جامعة محمد البشير الإبراهيمي برج بوعريريج

تعتبر قضية تدهور أو انخفاض قيمة النقود من أبرز وأخطر القضايا المطروحة للنقاش بين الخبراء الاقتصاديين وصناع القرار والفقهاء، فالنقد عصب الحياة وقوامها ولا تستقيم الحياة بدونه، نظرا لما له من أهمية كبيرة في الحياة الاقتصادية بصفة عامة واتصالها بجوانب مهمة في الشريعة الإسلامية سواء من حيث المعاملات والعبادات والصداق والديات والوقف والزكاة وغيرها، فالنقد مقياس لكل القيم المختلفة ومعيار لكل المعايير، فالمتر مثلاً وحدة مجردة لقياس الأطوال لا يشترط فيها طبيعة مادية محددة إنما يشترط فيها كونها (مترًا) في القياس لا أكثر ولا أقل، ويشترط لها أن تستقر على ذلك أبدًا، ومثل ذلك يقال عن وحدات الوزن والوقت وغيرها من وحدات القياس. فهكذا إذًا وحدة النقد ينبغي أن تكون ثابتة القيمة حتى تستطيع أن تقيس القيم مثلما يشترط للمتر أن يكون ثابت الطول. وطبعًا سيكون من العبث أن نقيس الأطوال بمتر يتقاصر حينًا ويتطاول آخر والعبث هذا يتحقق تمامًا حينما نقيس القيم بوحدات نقد متغيرة القيمة، فها هو جون توميلسون يشرح لنا كيف تسبب تغير قيمة النقد تدريجيا في الاضطرابات والفوضى في نهاية المطاف، ولكي يقرب لنا هذه الحقيقة أكثر، يضرب لنا المثال التالي: ماذا لو اتفق الناس على استخدام ساعة ( بيغ بان) بلندن كمقياس للوقت، ولنتخيل الآن تنقص بثانية كل دقيقة، بكل تأكيد ستكون النتائج كارثية ومدمرة لا محالة، ستختفي الكثير من الأنشطة في وقت قصير جدا، ستختل المواعيد وسيعيد الناس ترتيب أولوياتهم، سيتسارع كل شيء، وحسب تاميلسون فإن النتيجة ستكون نفسها عندما يغيب معيار مستقر للنقد. وقبله بكثير تطرق ابن القيم رحمه الله إلى نفس القضية في إعلام الموقعين، حيث يرى أنه لما كانت النقود هي المعيار الذي يعرف به تقديم الأموال والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن كالسلع، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة ولا يقوم بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض فتفسد معاملات الناس ويقع الخلاف، ويشتد الضرر. من هنا كان استقرار قيمة النقود الذي هو شرط جوهري لكفاءتها في أداء وظائفها.
لم تكن مسألة تدهور قيمة النقود بهذه الخطورة في العصور السابقة، فقد كانت قيمة النقد ترتفع وتنخفض تباعا للأوضاع الاقتصادية السائدة، فترتفع في أوقات الرواج الاقتصادي وتنخفض في فترات الأزمات وتفشي الفساد والرشوة على مستوى الحكام والأمراء كما يشير إلى ذلك المقريزي عند تفسيره لأسباب تدهور قيمة النقود في عصره، إلا أن ظهرت بدعة الاقتصاد الحديث حيث أصبحت النقود تفقد قيمتها باستمرار ودون مبرر، والأدهى من ذلك أن المناهج أو الكتب الاقتصادية المدرسية أو ما يعرف في الأدبيات الأكاديمية بـ mainstream economics)) تبرر ذلك تحت مسميات علمية غريبة، فلو سألت أي اقتصادي عن مفهوم التضخم أو تدهور قيمة النقد لأجابك بكل ثقة وبساطة بأنه تلك الزيادة المستمرة في المستوى العام للأسعار، أو بأي تعريف يحمل المعنى نفسه، دون أن يناقش أو يرفض ذلك، لأنه لا يملك أن يقول غير ذلك لأن الكتب المدرسية علمته ذلك فقط، لكن لو أجبته بأن التضخم ما هو إلا تلك السرقة الممنهجة من قيمة النقد (وهو وسيلة قياس مثل المتر والكيلوغرام يجب أن يكون معيارا منضبطا ومستقرا)، ربما سينتفض ويتهمك أنك لا تفهم في الاقتصاد وسيأتي لك بالحجج من الكتب المدرسية والنظريات المختلفة وأقوال مشاهير الاقتصاديين، ذلك أنه لم يتلق سوى هذه الأفكار مع إقصاء أفكار أخرى لا تخدم الجهة التي تقف وراء هذه المناهج، وهذا مكمن الخطر في العملية التعليمية، فهذه المناهج تتيح الطريق إلى التحكم في العقول القبول بالواقع كما هو باسم العلم، بدل الدفاع عن المقاصد الصحيحة، ولو بحثت في كل العقائد والنحل والملل ستجد أن الشخص الذي اغتُصِبت ملكيته يسعى دائما لاستعادتها بشتى الطرق والوسائل إلا في علم الاقتصاد الحديث المبني على أفكار ونظريات مذهبية ذات خلفيات إيديولوجية بعيدة عن القوانين الطبيعية والتفسير العلمي الأصيل، أين تجد هذه النظريات تقدم المبررات والحجج المختلفة لكي تدافع عن المغتصِب باسم العلم، وتفسح له الطريق لأكل أموال الناس بالباطل، فبأي حق يتآكل أجر العامل البسيط دون ذنب ارتكبه وبأي جريرة تفقد ما ادخرته من جهد عملك وعرقك، لابد أن في الأمر خللا ما وأي خلل؟
جاء الإسلام لكي يبسط العدل وينبذ الجور، بل العدل هو جوهر الإسلام وروحه، وهو المحور الأساسي لتطبيق أصول الدين وفروعه، وعليه ترتكز فلسفة التشريع، وحكمة التكوين، وبناء المجتمع، وصون الحقوق، ومن مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ المال، وحفظ المال لا يتأتى إلا بصون حقوق الآخرين وحمايتها من الغصب، لذلك نجد أن القرآن الكريم قد تطرق في أكثر من موضع لذلك، ولعل أشهرها وأكثرها شبها لما يحدث في هذا الزمان قصة شعيب عليه السلام مع قومه مدين، عندما نهاهم عن بخس أموال الناس من خلال إنقاص وزن النقود فقد كانوا يقومون بقرضها وبردها وحكها، مما يؤدي إلى إخراجها عن السعر الذي يأخذونها به، وهذه الفعلة هي التي نهى الله عنها قوم شعيب عليه السلام بقوله سبحانه وتعالى:﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ وقوله تعالى:﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ .
يرى علماء التفسير أن شعيبا عليه السلام كان ينهى قومه عن قطع الدنانير والدراهم، إذ كانوا يقرضون من أطراف النقود الصحيحة، فيتخلف عن هذا إقراضه، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدًّا، وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون الوزن، ولكنهم:﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ يقصدون الدنانير والدراهم ﴿مَا نَشَاءُ﴾ من القرض، فنزل بهم أمر الله وقضاؤه، فقال سبحانه ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ .
أليس هذا ما يحصل اليوم في الاقتصاد العالمي، ننام ونستيقظ على الانخفاض المستمر في قيمة النقود، فالدولار الأمريكي على سبيل المثال وهو العملة المهيمنة على النظام النقدي الدولي، فقد أكثر من 97 % من قيمته منذ إنشاء الاحتياطي الفيدرالي سنة 1913. وإذا كان هذا هو حال الورقة الخضراء لأقوى دولة في العالم فكيف هو الحال بالنسبة للدول النامية وشعوبها المغلوبة على أمرها.
نصل من خلال ما سبق إلى أن النظام النقدي العالمي الراهن والقائم على النقود الورقية ونظام الاحتياطي الجزئي لا يمكن أن يلبي مقصد حفظ المال، وباعتبار المال عصب الحياة سيؤثر ذلك على بقية المقاصد الأخرى، فنقود العالم اليوم هي عبارة عن ديون، والديون لا يمكن أن تكون وسيلة تبادل وتؤدي دور النقود في الشريعة الإسلامية، لذلك لابد من استعادة النقد الصحيح وحرية اختيار الناس لوسيلة التبادل التي يريدونها من أجل تفادي التلاعب بقيمة النقود وأداء وظيفتها كمخزن للقيمة وحمايتها من التقلبات، بعد أن بلغ حجم النقود الورقية أو الاصطناعية أرقاما فلكية، وصار النظام النقدي قائما على النقود مجردة القيمة يتحكم فيه الساسة ورجال المصارف ويخضع لسلطتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق