البصائر

مالك بن نبي والحضارة

مالك بن نبي والحضارة
إنّ النّاس جميعا يعيشون عصرهم، لكن الذين ينفذون ببصائرهم إلى أعماقه، فيسبرونه، ويحبطون بجملة معانيه قليل ما هم.
ولم يؤرق المغفور له مالك بن نبي معنى من المعاني، ولا أضناه مشكل من المشاكل، ولا شد عقله معقول من المعقولات، أو ظاهرة من الظواهر، مثلما جذبته إليها مشكلة الحضارة، وضمه إليه معنى التاريخ، ودلالته الإنسانة، فاعتبر التاريخ لحظة من إرادة الإنسان في صورته الاجتماعية، ومظهرا من مظاهر نجاحه أو فشله، وفرق بين الجانب الطبيعي (البيولوجي)، وبين الجانب الاجتماعي في الإنسان، فلم يتصور الزمان الطبيعي على نحو ما، تصور الزمان التاريخي أو الإنساني.
فالزمان الطبيعي إنما هو مجرد آلي رتيب، أما الزمان التاريخي فهو زمان مبدع، فعال وذو اتجاه حركي، والشعور بمشكلة الحضارة وتحليلها إلى عناصرها إن هو إلا إدراك لروح العصر، بل كل عصر، والإرادة الحضارية إن هي إلا شرط ضروري لوجودها نفسه.
وقبل أن نشرع في بيان تصوره للحضارة نود أن نترجم له ترجمة موجة وأن نسجل مؤلفاته حتى يتبين للقارئ ما ذهبنا إليه من القول بأن مركز حياته العقلية إنما هو مشكلات الحضارة.
حياته:
ولد مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي في أحضان أسرة كريمة متواضعة في فاتح جانفي سنة 1905 (5 في ذي القعدة 1323هـ) بمدينة قسنطينة العتيقة، وانتقلت أسرته لأسباب سياسية استعمارية إلى مدينة تبسة، وبها تلقى دراسته الابتدائية، وزاول دراسته الثانوية بمدرسة قسنطينة، تخرج منها سنة 1925 وبعدها سافر إلى باريس وانخرط في كلية الهندسة، وما لبث أن تخرج منها بدرجة مهندس كهربائي، تكونت شخصيته في فترة أخذت الجزائر تستيقظ فيها من غفوتها في اتجاهات متعددة من إصلاحية إلى سياسة استقلالية واندماجية، وكان أكثر ما يكون ميله إلى الاتجاه الإصلاحي في أوائل عهده، فشغل الإصلاح ذهنه واهتمامه ووجدانه منذ طفولته كما يحدثنا في كتابه “شاهد القرن”، كان يتابع منظر ابن باديس وهو يمر أمام مقهى “ابن تيمية” ذاهبا إلى مكتبه في “نهج الأربعين شريف”.
وهو أول من أدخل العدد الأول من جريدة “الشهاب” إلى أفلو جنوب تيارت حيث يقوى نفوذ أهل الطرق، واتصل بالشيخ عبد الحميد بن باديس في مكتبه وبثه ما يجده في نفسه من أفكار تتصل بالمجتمع في قرية أفلو، وخاصة ما يتعلق بمشكلة الأرض بجبل لعمور فهو شاعر منذ شبابه بالمشاكل الاجتماعية حتى أصبح مثقفا يحيا مأساة مجتمع وحضارة بطريقته الخاصة. وحينما تأججت نار ثورة الأمير عبد الكريم الخطابي تفاعل معها وعاش أحداثها وناضل من أجلها قال مالك عن نفسه: “الحادثة التي جعلتني في مطلع الشباب أقوم بتأييد ثورة الريف لم أكن فيها وحيدا بل كنا ثلة من الشباب أثارنا أن يستخدم الاستعمار مساجدنا وأمتنا لدعاية ضد الثورة الريفية فقمنا لصد هذه الدعاية بصورة صبيانية، وربما فيها كثير من المخاطر، بل لعلها لم تكن هي الطريقة المثلى التي كان علينا أن نتبعها، غير أنه مع ذلك فقد شعرنا بوجود مشكلة وأن هذا الشعور ليعبر من غير شك عن حالة نفسية جديدة وهو القيام بالواجب أعني الخروج من الركود أو الحيرة..”.
قام الأستاذ مالك بن نبي برحلات كثيرة إلى عدة أنحاء من العالم الصين وأندونيسيا وأمريكا والاتحاد السوفياتي، عاش في أوروبا سيما في فرنسا وفي ألمانيا. وفي البلاد العربية كثيرة، حج عدة مرات، وأقام في مصر ابتداء من سنة 1956 أثناء الثورة الجزائرية وهناك في منزله كان يعقد مجالس أسبوعية (يوم الجمعة) يقصده الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي من جاكرتا إلى طنجة، وكان كاتب هذا المقال من بين هؤلاء الطلاب الذين يحضرون مجالسه فاستيقظ ذهنه على المشكلات الجوهرية واتجه اتجاها، لم توجهه إليه الجامعة التي كان يدرس فيها، فكانت تجري المناقشات الحية، والتحليلات الدقيقة، وتوضع المشكلات على أسس علمية، في رحاب واقعي وعقلي فاستيقظت عقول، وتنبهت الأذهان، وبرزت حقائق وانكشف من الضباب ما كان قد غشي الأبصار، وران على البصائر.
وفي سنة 1963 عاد إلى الجزائر وواصل الكفاح في جبهة الفكر وفي ميدان الكلمة، وما لبث منزله أن أصبح منتدى للتوجيه ومجالسا لإيقاظ العقل من مرقده، وبعث التفكير من ركوده، فأمَّ منتداه الشباب الجامعي من مختلف الكليات وخاصة كليات العلوم والطب والهندسة “وأولي بمنزله أن يدعى ببيت الحكمة”.
يعرف العربية ويكتب بها ويحسن الفرنسية ويملك زمامها في أسلوبه القوي الجذاب، وفي متانة تعبيره الأخاذ الموزون، وكان في فترة ما يتكلم الألمانية، ويعرف طرفا من الإنجليزية.
تولى منصب مدير التعليم العالي في الجزائر، اختاره مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة عضوا بهيئته الموقرة، فألقى فيه عدة بحوث وشارك في الكثير من المؤتمرات الإسلامية والثقافية، وحاضرة في جامعة دمشق والقاهرة، ولبنان وليبيا أكثر من مرة.
اتسم مالك بن نبي بفكر حاد وذهن نافذ، يعاني ويفكر، ففكره فكر حي فعال، مركز، تغلب عليه الصور العقلية لا الصور اللفظية فيما يتكلم وفيما يكتب يشعر في أعماقه بأن له رسالة وبالرغم من الصعاب التي واجهته في حياته الشاقة فإنه لم يتزلزل في يما، ولم يشعر بأن عليه أن يترك رسالته، ويلقى عبأها، وشخصيته شخصية أخلاقية ملتزمة بالأخلاقية الإسلامية الصافية، ذو أصالة وهمة عالية، وأنفة شامخة،وعودة لا يلين في الحق وقلبه لا يخشى فيه لومة لائم، ولعل تكوينه الرياضي والعلمي وسمه بوضوح، لا لبس فيه، وذلك في يقيني ما أصل فيه فضائله العقلية ورسخ ميزاته الأخلاقية ضم صدره هم المسلمين جميعا، الأمر الذي جعله في توتر حين يهجم على المشكلات يحللها وعلى المشاهدات يسجلها، ذو حيوية فائقة حين يشهد على أحداث عصره بقوة، فيستل منها عناصره الجوهرية بدقة رياضية عجيبة، إنه يأتي المشكلات من مفاصلها، فإذا به يصب كبد حقائقها إلى أن التقى بالحق المتعال يوم الاربعاء في 4 شوال 1393هـ. الموافق لـ 31 أكتوبر 1973 على الساعة الحادية عشر وخمسة عشر دقيقة مساء بمنزله.
مؤلفاته:
يمكن أن نصنف آثاره تبعا لتاريخ نشرها نظرا لسهولة التصنيف على هذا الأساس، ولذلك اخترنا معيارا لتصنيفها على هذا النحو:
1-الظاهرة القرآنية، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر 1946.
2-لبيك الرواية الوحيدة، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر 1947.
3-شروط النهضة، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر 1948.
4-وجهة العالم الإسلامي، باريس، 1954.
5-الفكرة الإفريقية-الآسيوية، القاهرة، 1956.
6-النجدة للجزائر، القاهرة 1957.
7-حديث في البناء الجديد، بيروت، 1959.
8-مشكلة الثقافة، دار العروبة، القاهرة، 1959.
9-الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، دار العروبة، القاهرة، 1960.
10-الصعوبات علامة النمو في المجتمع العربي، دار العروبة، القاهرة، 1960.
11-الاستعمار يلجأ إلى الاغتيال بوسائل العلم، دار الجهاد، القاهرة، 1960.
12-فكرة الكومنلوث الإسلامي، المكتب الفني للنشر، القاهرة 1960.
13-تأملات في المجتمع العربي، دار العروبة، القاهرة 1961.
14-ميلاد المجتمع، دار العروبة، القاهرة، 1962.
15-آفاق جزائرية، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر 1964.
16-مذكرات شاهد القرن، الشركة الوطنية للطبع والنشر والتوزيع، الجزائر، 1965.
17-إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، القاهرة، 1969.
18-مذكرات شاهد القرن(القسم الثاني) الطالب، دار الفكر، بيروت، 1970.
19-مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مكتبة عمار، القاهرة، 1971.
20-المسلم في عالم الاقتصاد، بيروت، 1972.
21-دور المسلم في الربع الأخير من القرن العشرين، الدار العلمية، بيروت، 1972.
22-مجالس دمشق(مخطوط).
23-المسلم بين التيه والرشاد(مخطوط).
24-مولد مجتمع إسلامي(مخطوط).
25-مجالس التفكير، سجل بعضها أثناء مجالسه أو ندواته التي كان يعقدها في منتداه أسبوعيا مع طلبة الجامعة وبعض أساتذتها.
وله مذكرات وتعليقات على مؤلفات قديمة كتاريخ الطبري، وشرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد، ومقدمة ابن خلدون، وله مقالات في المجلات والصحف كصحيفة الجمهورية الجزائرية، والشاب المسلم والثورة الإفريقية.
ترجم بعض تصانيفه إلى اللغة الفارسية، الأوردية والتركية مثل “الظاهرة القرآنية” و”شروط النهضة” وأغلب مؤلفاته نشر بالعربية بعد ترجمتها من الفرنسية التي يؤلف بها أغلب الأحيان.
فكرة الحضارة:
إنّ التاريخ عند مالك بن نبي ليمثل حقل دراسة وثروة من التجارب البشرية التي يتأملها في أطوارها في نجاحها وفي إخفاقها والتاريخ في تصوره هو “النشاط المشترك للأشياء والأشخاص والأفكار” ولابد لكل مجتمع من نشيد يحدوه في طريقه لصنع التاريخ، وهذا الحادي إنما هو مفهوميته أو إيديولوجيته، أو عقيدته، وتصوره للوجود، ولأهداف وجوده، قال مالك بن نبي: “المفهومية: النشيد الذي يقود عمل الشعب بأسره، فهي الصوت الحادي الذي يضبط إيقاع مجهود الأمة… كي تتضافر على إنهاض مصيرها… فهذا النشيد لا يمكن أن ينبعث إلا من روح الشعب ذاتها، من تقاليده، من تاريخه، ومن كل ما يجعل عمله أو نضاله مقدسا في ناظريه) وتحرك المفهومية طاقات الشعب وإمكاناته لتضحى واقعا في التاريخ، ولكن هذه المفهومية في تصوره لا يمكن أن تتشكل على سجل أجنبي غريب، من روح المجتمع، فالنشيد الذي يحشد طاقة الشعب كما يحشد المكثف الشحنة الكهربائية لا يمكنه أن يتشكل على سجل أجنبي حتى في مجرد تعبيره الفني أو الموسيقي أو الأدبي لأن عملية تركيبه تتم داخل روح الشعب أولا لكي يترجم فيما بعد ضمن فكر إنسان، يكون جزءا من تلك الروح الجماعية، فالأيديولوجية مجموعة أفكار متأصلة في النفوس راسخة، متماسكة في ذاتها، دافعة لحركة اجتماعية راسمة لسبيل مبين “المفهومية ليست مجموعة أفكار شتيتة إنما هي المسيرة للطاقات، والسهم الذي يعين للجماعة طريقها في التاريخ” دون تكديس، ولا طرية ولا افتقار في الفكر، ولا عدم فعالية، وتحقق المفهومية تركيبا متآلفا للنشاط الفردي والجماعي، وهي أمر يقتضي طبع الحركة على اليد وعلى الفكرة، وفي اتجاه محدد، ويبدي لنا مالك بن نبي بصدد بيانه لوظيفة الأيديولوجية في التاريخ تفاؤله العميق بما ينطوي عليه الشعب الجزائري من إمكانات تكشف عنها الأيام فقال: “فهناك نشيد يرفع في أعماق روح الشعب الجزائري، وهو الذي سيزن وقع خطونا على دروب التاريخ” سلك بن نبي في تحديد معنى الحضارة منهج التحليل والتركيب، فأخذ “عينة” من عينات الحضارة على أساس أن المنتجات الاجتماعية بجميع أشكالها هي التي تكون منتجات الحضارة، وهذه العينة التي اتخذها هي: المصباح قال: “فالمصباح الطي نستنير به، والأفكار التي وجهت أمر تجهيزه، والآدميون الذين قاموا بعملية إنجازه تمثل جميعها منتجات اجتماعية لحضارة معينة، ونحن لو حللنا من وجهة نظر علم الاجتماع هذه العينة لوجدنا أن محتواها أو مادتها الجوهرية المتعلقة بعلم الاجتماع تؤول إلى ثلاثة حدود هي التراب والزن والإنسان.
فالتراب يتمثل في صورة مواد أولية واصلة أو عازلة، أما الزمن فيندمج داخل سائر الاطراد العلمي والفني الواقع بين اكتشاف الظاهرة الكهربائية (القرن التاسع عشر)… وأما الإنسان فينخرط ضمن التدخل البشري (اليدوي والذهني” في هذا الاطراد…، وإذن فالمصباح باعتباره نتاجا للحضارة “يمثل في الواقع إنتاجا للإنسان والتراب والزمن”. وبعد هذا التحليل ركب لنا عناصر الحضارة الجوهرية في صورة نظرية رياضية واضحة تنطبق على كل منتجات الحضارة على هذا الشكل: (الحضارة = الإنسان+التراب+الوقت) غير أن هذه العناصر الثلاثة لا تمارس مفعولها الحضاري في حال شتاتها وانفصالها، وإنما تدخل في السياق الحضاري إذا ما أصبحا في صورة مركب متآلف، والذي يشكل هذا التركيب الفعال، إنما هو الفكرة الدينية، إما بطريقة أو بواسطة بديلاتها اللادينية، وأيد نظريته بضروب من الأمثلة في التاريخ القديم والحديث والمعاصر، لم يأخذ بفكرة توينبي Toynbee الذي يرجع الحركة الحضارية إلى التحدي الطبيعي، أو البشري.
فكل عملية اجتماعية تفسرها هذه العناصر مجتمعة، والإنسان هو الذي يحدد في النهاية القيمة الاجتماعية لهذه المعادلة ل|أن التراب والوقت لا يقومان إذا اقتصر عليهما فحسب بأي تحويل اجتماعي، ومثل لذلك بتاريخ الأمة الألمانية(1939-1945) إذ لم يبق لها من عالم الأشياء شيء، وابتداء من الرأسمالية المفاهيمي، أو من عالم الأفكار بنت كل حياتها الاجتماعية واحتلت من جديد، مكانتها السياسية في العالم وليست الحضارة عنده كما يتصورها الأنتربولوجيون Anthorpoloaues “أي شكل من أشكال التنظيم للحياة البشرية، سواء كانت على مستوى المجتمع النامي أو المتخلف أو البدائي.
وتعريف مالك بن نبي للحضارة على الشكل الذي قدمنا تعريف تركيبي أي أنه تعريف لها من حيث العناصر المكونة لها المركبة لكل منتجاتها.
وعرفها بتعريف آخر من وجهة أخرى هي الوجهة الوظيفية أي من حيث الوظيفة التي تقوم بها الحضارة في المجتمع المهني الوظيفي للحضارة عنده هو: “مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده من الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه، فالمدرسة والعمل والمستشفى ونظام شبكة المواصلات والأمن في جميع صوره عبر سائر تراب القطر، واحترام شخصية الفرد تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة التي يريد ويقدم المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه”، وبين لنا منهجه في هذا التعريف فقال: لأن الحضارة يجب أن تحدد من وجهة نظر وظيفية، ولظلك عدل عن تعريف الأنثرويولوجين الذين أغفلوا المعنى الوظيفي كما يفهمه مالك بن نبي فإذا كان كل شكل من أشكال التنظيم في الحياة الاجتماعية يعتبر لونا من ألوان الحضارة فأي فارق يفصل المجتمع البدائي عن المجتمع المتحضر، ويفرق بين مجتمع ما قبل الحضارة، ومجتمع الحضارة، ومجتمع ما بعد الحضارة، وهي المقولات الثلاثة الأساسية التي وضعها مالك بن نبي وجعلها مفاتيح في تفسيره لأطوار التاريخ الحضاري للمجتمع البشري، وفي تصوره للظواهر الاجتماعية، وانتهى مالك بن نبي في تعريفه للحضارة إلى القول أن: الحضارة هي التي تصنع منتجاتها، وليست منتجاتها هي التي تصنعها.
وعلى أساس هذا المنهج التحليلي التركيبي والمنهج الوظيفي في تحديد مفهوم الحضارة تحديدا رياضيا ووظيفيا نهج مالك بن نبي منهجا نقديا لحركة النهضة الإسلامية، التي هدفت إلى أن تمد المجتمع الإسلامي بالوسائل الملائمة للدفاع عن ذاته، أو لتبرير نفسه بدل أن تقوم بتحويل الشروط الواقعية الأساسية لهذا المجتمع، فكانت الوسائل مصطبغة بصبغة دفاعية، وموضوعة بسبب ذلك في حدود الكمية والشيئي، “وقد كان شعار جمال الدين الأفغاني نفس الذي يقول: “لو أن جميع الهنود يبسقون معا لأغرقوا الجزر البريطانية في بحر من اللعاب” يشير إلى أن النهضة كانت تنزلق في طريق الشيئية choeisme فكانت دعوته ودعوة محمد عبده من بعده تنطلق في صورة شعلات دفاعية جدالية ولم تترجم الجهود الذهنية عن نفسها في صور مذهب دقيق للنهضة، ومنهج متسق، وما الكتاب الذي ألفه جمال الدين الأفغاني في الرد على الدهرين –وهو مؤلف منهجي- إلا مجادلة للماديين تماثله مجادلة محمد عبده لرينان Renan.
فليس هناك اهتمام بالخطط والإعداد له وإن ساورت بعض العقول فكرة المذهب كعقل الكواكبي، والنقد السياسي الذي وجهه مالك بن نبي للحركة الإسلامية المعاصرة أنها لم تضع المشكلة ضمن حدود حضارة معينة على أساس إرادة وقدرة على التحضر، ولكن تم وضع المشكل على أساس آخر هو مستوى منتجات الحضارة أي على مستوى حاجات مجتمع تورط في طريق الخيال Utopie وفي طريق الشيئية والتكديس فبدلا من أن يقوم المسلمون ببنائها قاموا بشراء منتجاتها وتكديسها، فنشاهد مثلا أربعة أجهزة تكييف هواء في مقصورة أحد رؤساء المصالح أو خمسة أجهزة تليفون على مكتبه، كما نشاهد تكديسا للأشخاص فالمكان الذي يشغله خمسة موظفين يوضع فيه أحيانا خمسة عشر أو عشرون فيستحدث موظفين دون وظائف فتزدوج البطالة: البطالة العادية والبطالة المقنعة.
هذا المنهج غير معقول من الناحية الاقتصادية والواقعية ومن ناحية علم المناهج، إذ كي يتسنى لنا أن نبني حضارة على أساس منتاجتها نسأل سؤالا وهو هل نحن قادرون على شراء جميع منتجاتها؟ فهاهنا استحالة اقتصادية صارخة.
ويبين لنا مالك بن نبي أن امتداد نهضتنا عبر قرن كامل من الزمان دون أن نتوصل إلى النتيجة التي بلغتها مجتمعات أخرى انطلقت مواكبة لنا من نفس النقطة الزمانية لا يرجع إلى افتقارنا إلى الوسائل إنما يرجع إلى فقدان الأفكار وضربنا مثلا بنهضة اليابان التي بدأت نهضتها معنا.
وعلة ذلك أن المجتمع الياباني وجدت لديه إرادة حضارة وقدرة على التحضير فبنى ذاته على قاعدة حضارة لا على قاعدة منتجاتها فطبق نشاطه ضمن النسق البشري ونسق الأفكار.
إن الشعوب الإسلامية دخلت عالم الأشياء ولم تدخل بعد عالم الأفكار، ومعنى ذلك أن التطور الاقتصادي باتجاهه اتجاها شيئيا قد أنتج (ويلزم أن ينتج) إعوازا زاد من حاجات هذا العالم دون أن يزيد في وسائله، وكذلك تطور الفكر لدى المثقفين يمكن القول إنه يتجه إلى شكل من أشكال المادية أي الشكل المحدد بالأشياء لا الشكل المحدد بالأفكار وكذلك إذا طبقنا هذا على التطور الاجتماعي عامة فإننا نجد هذا التطور يتجه صوب ذلك الشكل الحضاري الذي سماه “بالحضارة الشيئية” وطبق هذا على حياة الأفكار ومدى فعاليتها في العالم الإسلامي فتبين له أن لم يتم عندنا بين عالم الأفكار وعالم الأشياء أي إن الأفكار ظلت معزولة ومحايدة وعزل من سلاحها لفقدها فعاليتها، فالمجتمع الإسلامي مجتمع فقير في الأفكار في الوقت الذي تمثل فيه الأفكار الثروة الوحيدة التي يعول عليها، وهو مجمع أعزل أيديولوجيا أو مفاهيميا في نفس الوقت الذي يتعين فيه أن تسوى كل المنازعات في العالم لا بالأسلحة ولكن بالأفكار.
ومن أهم المقولات التي أبرزها مالك بن نبي في دراسته الاجتماعية الحضارية مقولة “اللافعالية” فالعجز في الأفكار ينتج في المجال النفسي العجز في المراقبة الذاتية وهي مراجعة النتائج، فالفكر في المجتمعات الإسلامية لا يقيم علاقات بين النشاط والجهد والوسائل من ناحية ونتائجها من ناحية أخرى ولا وجود في تربيتنا الأولى لمفهوم “المحصول” فهو لا يعد عنصرا من عناصر تكويننا الفكري، ويرى مالك بن نبي أن المجتمع بمثابة جهاز للتحويل يحول الطاقات الاجتماعية إلى نتائج مختلفة، وطبق على المجتمع قانون الديناميكية الحرارية الذي يعبر عن العلاقة بين الطلاقة المستهلكة التي يرمز إليها ب”م” والعمل الحاصل الذي يرمز إليه ب”ر” حسب النسبة الكلاسيكية.
المحصول =”م”/”ر”.
ويكون هذا الجهاز أقرب إلى الكمال عند الميكانيكيين عند تكون قيمة م/ر أقرب إلى واحد مع العلم بأنها تظل دائما دون الواحد بحكم طبائع الأشياء وهذا الفرق الذي يوجد بين الواحد وخارج القسمة يسمى “التبديد” وهناك معاكسة بين قيمة المحصول وقيمة التبديد بحيث إذا زاد أحدهما نقص الآخر بالضرورة، فإذا كان الجهاز مطلق الجودة فإن محصوله يكون مساويا للواحد، ونحصل في هذه الحالة على “الحركة الدائمة” وهو أ/ر لا يتحقق تبعا لقوانين الميكانيكا والنتيجة أن هناك فجوة بين القيمة الحقيقية للمحصول وبين الواحد، وبهذه الفجوة يقاس مقدار العجز الميكانيكي، أو ما يسمى بتبديد الجهاز.
طبق مالك بن نبي هذه المفاهيم على المجتمع البشري باتباره جهازا للتحويل، تحويل الطاقات الاجتماعية ولكن نبهنا إلى أن عملية تحويل الطاقات الاجتماعية تخضع لقوانين مختلفة عن مجرد قوانين العملية الميكانيكية البسيطة لأنها تخضع بالخصوص لنسق النظام الاقتصادي الذي يحتم أن يكون الإنتاج متفوقا على الاستهلاك دائما وإلا تحدر المجتمع إلى درك الإفلاس، وهذا الشرط الذي نعبر عنه في صورة جبرية بواسطة المتراجحات (الواجب >(أكبر من) الحق) يشير إلى أن العلاقة “ر” لأحد المجتمعات يجب أن تكون على عكس العلاقة الميكانيكية أب أكثر من واحد بقدر الإمكان، وما أشارت إليه الصيغة الجبرية السالفة هو ما يعبر عنه الاقتصاديون بقولهم، يجب أن يكون الإنتاج أكبر من الاستهلاك.
وأجرى مالك دراسة على ميزانية نشاط اجتماعي لمجموعة أفراد يكونون أعضاء لمنظمة، فتبين له أن “الحاصل” أسوأ من حاصل محرك رديء.
وتحليل بعض ألوان النشاط في البلاد الإسلامية يؤدي بالمشاهد إلى أن يتبين أن التبديد هو الغالب على المحصول في أغلب الأحوال، وهذه المظاهر لفكرة اللافعالية يعزوها إلى عجز أفكارنا، وهذا العجز يخلق مفعولا لآخر، فالتبديد في الوسائل الذي يؤدي إلى حاصل هزيل يبرره الأشخاص بغير سببه الحقيقي المتمثل في التبديد فيبررون هذه المحدودية في الحاصل بسبب ثانوي هو الفقر. فنحن لا نعاني اللافعالية فحسب، ولكن نثبتها باختراع ترهات نبررها بها ونبقى عليها.
يعطي مالك بن نبي لفكرة الفاعلية أهمية بالغة اجتماعيا وحضاريا فيقول: “تلك (الفعالية) التي تكون معيارا صالحا في كل زمان وبالخصوص في عصرنا هذا حيث تمثل المعيار الراجح في جدول قيم هذا الزمان”.
ومن جهة أخرى فإنه يضاف إلى الضعف الداخلي لجهاز مفاهيمنا إضعاف خارجي ناتج عن مجهود منهجي، ومعاكسة موجهة من الخارج، وباجتماع الضعف الداخلي والضعف الخارجي تصبح “حياة” الأفكار صعبة في المجتمع الإسلامي الذي لم يصل بعد عالم الأشياء بعالم الأفكار فاللافعالية تكون من الوجهة الاجتماعية أعوص مشكل من مشكلات العالم الإسلامي.
ومن هنا فإن تطور مجتمعنا يشبه مالك بن نبي بعملية كيميائية تتم في إناء مغلق خاضع لقوانين ميكانيكية فإذا توازنت فيه القوى الداخلية والقوى الخارجية على جانبي حواجز الإناء استمرت العملية في تساوق، أما إذا حدث أي اختلال في التوازن فإن الإناء يتطاير شظايا مبددة في الهواء فالإناء المغلق هو تطور المجتمع الإسلامي الراهن والخطورة قائمة في داخل ذلك الإناء بوجه خاص وهي متوقفة على الذين يوجهون العملية الكيميائية وأن الخطر سيظل يتهددنا طوال العشرين سنة القادمة.. ولكن الإسلام يظل دائما القوة التي لا تحطم.
والخلل في المعادلة الحضارية لا ينشأ في عالم الأفكار فحسب بل إنه ينشأ في عالم الأشخاص وفي عالم الأشياء أيضا وفي علاقات هذه العوالم الثلاثة وفي كيفية تأليفها أو تركيبها. ويكون الخلل في عالم الأشخاص ذا طبيعة أخلاقية واجتماعية والصعوبات التي يتخبط فيها المجتمع الإسلامي ترجع إلى هذه الجهات وتحدد تحديدا بتكويننا الاجتماعي.
فالمعادلة الاجتماعية للإنسان باعتباره كائنا اجتماعيا هي التي تعترضها طوارئ التاريخ ونوائب الزمن، وميزة الفعالية هي التي تعلي من قيمة الإنسان في هذه المعادلة فكيان الفرد ذو ارتباط وثيق بالحضارة، وصلة الفرد بالحضارة ومكانه منها لا يخلو من ثلاث مراحل فهو إما أن يكون قبل الحضارة وإما أن يكون في نعيم الحضارة وإما أن يكون قد خرج من الحضارة وهناك اختلاف واضح بين المراحل الثلاثة فالفرد المتحضر يختلف عن غير المتحضر والذي خرج من الحضارة يختلف عن الذي لم يدخلها بعد، فالخارج من الحضارة يحتوي على رواسب ويكون مصدر المصاعب فيه أكثر ثقلا.
والهدف من كتابة مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي تحريك هذه المشكلة ليظهر وزنها في التاريخ وفي مصائر الناس.
إن شعور مالك بن نبي بمشكلة التاريخ أو المجتمع في حركته التاريخية الحضارية شعور حاد وعنيف، وتأمله فيها تأمل عميق، وتحليله تحليل علمي منهجي، مما حدا به أن يعلن للناس عن صرخته المدوية: “يجب أن ينتهي التاريخ في نقطة ما كي يتجدد التاريخ من نقطة جديدة، يجب أن يكون هذا مفهوما وخاصة لدى الشباب، يجب أن يفشل التاريخ، يجب أن يفلس التاريخ، وأحيانا يجب أن نعلن الإفلاس كي نشعر الناس وخصوصا الشباب بأن هذا الإفلاس هو طريق البداية..”.
يجب أن أعترف أني لم أوف فكرة مالك بن نبي عن الحضارة حقها من الدراسة، وهذا ما يجب علي في دراسات مقبلة وإنما أشرت إلى بعض الملامح من فكرة في هذه المشكلة التي هي أم المشكلات ومحورها. ولئن غاب عنا مالك بن نبي بشخصه فقد بقيت آثاره شاخصة بين الناس تدعوهم إلى ما يحييهم، وترسم لهم معالم حركتهم التاريخية المبدعة، في الآفاق، إن كانوا يدركون، وللنداء يستجيبون وستجد آراءه مجالها لتصبح وقائع حية مسجلة على صفحات التاريخ، وذلك ما كان ينبغي، وتلك أمنيته، وهب لها حياته، وعاشها في شعوره، وعقله، أشد ما تكون الحياة، وأعمق ما يكون الشعور، وأعنف ما تكون المعاناة، وأنفذ ما يكون التعقل.
إعداد: ت. ماجوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق