أعلام

أعلام: الشيخ الملكي بالصيود أحد معلمي المدارس الحرة بسوق أهراس

مولده ونشأته:
على الشريط الحدودي المتاخم للحدود الجزائرية التونسية وعلى بعد أميال من الحدود على ضفاف وادي ملاق الذي هو همزة وصل بين الشقيقتين الجزائر وتونس قبالة ما يسمى بجبل سيدي أحمد الشامخة التي تكسرت عليها قوة فرنسا وجبروتها الحد بين البلدين الشقيقين الذي كان مسرحا للعديد من المعارك الضارية أثناء ثورة التحرير المجيدة.
رأى الطفل الشيخ الملكي النور سنة 1922 ببلدية الهمامة سيدي فرج حاليا التابعة إقليميا لولاية سوق أهراس من أبوين كريمين بارين هما بلقاسم بن محمد بوصيود والفاضلة فطيمة بنت عمار عوامرية وعاش في أحضانهما ينعم بعناية الله وحفظه ثم بحنوهما ويحظى بشيء من العناية الخاصة وتزامن بلوغ سن التمدرس مع عودة والده من جامع الزيتونة سنة 1930 بعد أن ارتوى من علمها وتشبع بنوره رفقة ثلة من المشايخ الأجلاء الذين قادوا الإصلاح ضد المستدمر الفرنسي رافعين مشعل رسالة التربية والتعليم وإقامته ببلدة منجم الونزة وشرع مباشرة في بناء مصلى لإمامة المسلمين وتثقيفهم بأمور دينهم والذي بني على أنقاضه المسجد العتيق ومدرسة لتعليم الصغار شبيهة بالزوايا توفر لقاصديها التعليم والإطعام والإيواء وكان المترجم له من المحظوظين حيث تولى والده بنفسه تلقينه كتاب الله الكريم رفقة أخويه الذين يكبرانه سنا ومجموعة من التلاميذ فبدت عليه النباهة والذكاء وسرعة الحفظ مما مكنه من إتقان خمسة عشر جزء من كتاب الله الحكيم في ظرف وجيز إلى جانب حفظ وفهم بعض المتون على الطريقة المعمول بها في الزوايا حفظا وشرحا في الأمور الدينية كمتن ابن عاشر على الطريقة التقليدية ورسالة أبي زيد القيرواني سيما ما تعلق منها بالأبواب الخاصة بالعبادات وكتاب شرح الشيخ خليل والشاطية وتفسير الجلالين اما في المواد اللغوية كمتن الأجرومية لابن جروم وقطر الندى وحاشية ابن حمدون شرح الماكودي وكتاب ابن عقيل والتاريخ الإسلامي والحساب والهندسة حسب الطريقة المتبعة في جامع الزيتونة مع مواصلة إتقان كتاب الله حفظا ورسما وترتيلا ومعرفة مخارج الحروف مما مكنه من مساعدة والده في تلقين كتاب الله الكريم للمبتدئين الصغار واستخلافه للتدريس وإمامة المصلين غير أن رغبته كانت تزداد يوما بعد يوما للانضمام إلى جامع الزيتونة لما سمع عليه من علم مشايخه الفياض الذين أناروا العقول وفتحوا الأبصار لسكان المغرب العربي من والده وزائريه أثناء زياراتهم له وللمترجم خمسة أخوة وأخوات كلهم تلقوا كتاب الله الكريم وشيئا من العلوم الدينية واللغوية على يد والدهم.
نسب الشيخ:
يعود نسب الشيخ إلى قبيلة أولاد تليل دفين الزاوية القادرية بفريانة الجنوب الغربي التونسي التي أسسها الصوفي أبو العباس أحمد التليلي سنة 1733 وأرادها أن تكون منارة علم وإشعاع فكري ومأوى للزائرين من القبائل القريبة والبعيدة وتكون إحدى فروع جامع الزيتونة فكان له ما أراد يقصدها طالبي كتاب الله والعلوم الدينية واللغوية من جميع النواحي بحكم أنها تتوفر على ثلة من القراء والمشايخ الأجلاء .
وتقول بعض المصادر أن الشيخ تليل الجد الأكبر لأولاد تليل وفد من الساقية الحمراء ووادي الذهب وهو عالم وداعية وقد سار أبناؤه وأحفاده على خطاه في المحافظة على تلقين كتاب الله ونشر العلوم الدينية واللغوية والتمسك بمنهجه التربوي القويم وبقيت القبيلة متمسكة باقتدائها بجدها الشيخ تليل محافظة على الروابط المتينة مهما امتدت جذورها وتفرعت أغصانها وازداد تعدادها وباعدت بينها المسافات.
أما علاقته بالولي عبيد فهي علاقة مصاهرة بين الشيخين تأتت عن خطأ وقع في أحد المسائل الفقهية وباب فرائض الوضوء تطورت إلى صداقة فإلى قرابة.
انضمام الشيخ إلى جامع الزيتونة:
في صائفة سنة 1948 ومع حلول الموسم الدراسي تهيأ الشاب الشيخ كغيره من طلبة جامع الزيتونة واستوفر الزاد وجميع لوازم السفر من دراهم ومؤن وأمتعة وبعض الكتب من مكتبة والده الغنية والثرية بالعديد من المراجع في مختلف العلوم الدينية واللغوية في انتظار اليوم السعيد الذي طالما انتظره بفارغ صبر واشتياق واتصل بأحد الزملاء من أبناء جهته الذي سبق له التعرف على مثل هذه الأسفار والرحلات وتم الاتفاق بينهما على موعد الرحلة ودقت ساعة السفر فودع والديه وقبل جبينهما طالبا منهما حسن الرضا والدعاء له بالتوفيق والنجاح وتيسير العلم له واتجه نحو وسيلة النقل وكله شوق وعزم على تحقيق آماله الذي كان حلما فتجسد بعد طول انتظار رفقة رفيقه الذي لازمه حتى أثناء الدراسة وعند الوصول للمحطة نزل وكاد يطير فرحا وسرورا وسار بخطى سريعة نحو الجامع ذلك الصرح الشامخ الذي سمع عليه الكثير ممن سبقوه ولم يحصل شرف التعرف عليه من قبل حاملا معه زاده وأمتعته ولشدة الشوق وضعها حذو أحد الزملاء ببهو الجامع ذلك المعلم الشامخ شموخ مشايخه الأفاضل وذهب فورا إلى بيت الوضوء لتجديد وضوئه وصلى ركعتين شكرا لله وامتنانا على ما أنعم عليه بهذا الفضل الكبير والخير العميم ونزل ضيفا على أحد أبناء الجهة للشروع الصباح الباكر للبحث عن سكن يوفر له الراحة والاستقرار ليتفرغ إلى التحصيل العلمي فكان له ما أراد وبعد حجز السكن سارع إلى التسجيل في الدراسة مستعينا بأحد الزملاء القدامى الذين ذللوا له الصعاب وفتحوا له الأبواب مدعيا السنة الثانية إعدادي ودخل الاختبار بكل حزم وثقة فكان النجاح حليفه بما تزود به من العلوم في شتى أنواعها الدينية الفقهية واللغوية في المدرسة التي أسسها والده ببلدة الونزة حتى صارت كأنها إحدى فروع جامع الزيتونة المتواجدة بالعديد من المدن التونسية بما تقدمه من علوم فتحت الباب على مصراعيه للالتحاق بجامع الزيتونة لكل الراغبين في الانضمام إليه.
المشايخ الذين تتلمذ عليهم الشيخ:
المشايخ الذين تتلمذ عليهم الشيخ وبقي يذكرهم ويشيد بفضلهم عليه طوال حياته وهم المشايخ الأفاضل : – محمد الصالح النيفر – محمد العزيز جعيط – محمد البشير النيفر – محمد عمر الزغواني – الطاهر بن عبد السلام – الفاضل بن عاشور – محمد الشاذلي النيفر الذي قاد جامع الزيتونة بعد تحويله الى جامعة تونسية علي النيفر الذي وضع بصمته على الشهادة الأهلية للمترجم له.
زملاء الشاب الشيخ:
زامل الشيخ الكثير من الزملاء وربط علاقات متينة بقيت قديمة متجددة مع العديد من أبناء ولايات مختلفة من تبسة إبراهيم سعد الذي بقيت العلاقة قائمة بينهما إلى أن التحق كلا منهما بالرفيق الأعلى – حسين مخازنية – محي مسعي – علي عليا – ومن سكيكدة علي كافي ومن سوق أهراس زغلامي صحراوي – حسين صحراوي – محمد الحفناوي رماضنية – صالح مشنتل إبراهيم مشنتل – محمد الشريف مساعدية – محمد الطيب مساعدية – لعبيدي سوداني وتعد هذه الكوكبة الاخيرة من طلبة جامع الزيتونة قبل تحويله الى جامعة تونسية وهناك من الذين أسعفهم الحظ في الدراسة بجامع الزيتونة الأعظم و من لم يتمكنوا من ذلك فدرسوا بالفروع الزيتونية.
عودته من جامع الزيتونة:
مع نهاية السنة الدراسية 1954-1955 وحصوله على شهادة التحصيل بعد نيله شهادة الأهلية بملاحظة جيد حسب الملاحظة الموجودة بين يدي عاد وكله عزم وأمل في فتح المدرسة التي سعى لبنائها وهو لا يزال طالبا رغبة منه في تنوير العقول وبث نور العلم في النفوس ومحاربة الجهل العدو اللدود الذي إذا ما خيم على ناحية غرقت في ظلام الجهل ولله در الشاعر حيث قال:
إذا ما الجهل خيم في بلاد
رأيت أسودها مسخت قرودا
وذاع خبر نجاح الشيخ ورجوعه في أوساط الجهة بكاملها أولياء وطلبة واستبشرت الجهة خيرا وعم السرور بنجاح ابنها البار وعودته موسما بوسام العلم والشرف وكله شوق وفرح وغبطة للقاء أبناءه الطلبة الذين توسم فيهم خيرا ورغبة في المزيد من التحصيل العلمي التي وجدها عندهم أثناء العطل الصيفية التي كان يضحي فيها براحته لتعليمهم الشيء الذي دفع بسكان المشتى وما حولها من المشاتي المجاورة لها بذل المزيد من الجهد في بناء حجرة ثم تحولت إلى شبه مدرسة بمرافقها ليتفرغ بعد العودة إلى أرض الوطن كلية مضحيا براحته الصيفية وشرع في التعليم أثناء العطلة ليواصل التدريس مع بداية الموسم الدراسي ربحا للوقت وتحصيلا للعلم وتحت إلحاح الأولياء اجل الشيخ اتصاله بالإدارة المسيرة لمدارس جمعية العلماء خوفا من تحويله إلى إحدى المدارس بالمدن الأكثر كثافة وواصل التدريس إلى أن التحق بالثورة خلال شهر ماي 1955 على إثر عملية تمشيط قامت بها عساكر العدو وحينها شعر المترجم له بالخطر فالتحق بالثورة ودمرت فرنسا المجرسة وحولت ما بقي منها إلى ثكنة عسكرية ولا تزال آثارها باقية ألى أن بنيت على أنقاضها بعد الاستقلال مدرسة ولازالت تسمى إلى الآن مدرسة الشيخ الملكي.
نضال الشيخ أثناء الثورة:
عندما شعر بالخطر يحيط به من كل جهة قرر الالتحاق بالثورة خوفا على نفسه من سوء المصير بعد موافقة قيادة الناحية ممثلة في الشهيد الرمز عمر جبار الذي أمره بالبقاء في أول الأمر خدمة للثورة وبعد أن أوضح له خطورة الوضع سمح له بالانضمام إلى مجموعة ما يسمى بالمحافظ السياسي التي برزت بعد مؤتمر الصومام مكلفا بالقضاء بكامل الناحية ينظر في القضايا الشائكة إلى أن تكون النظام السياسي لجبهة التحرير الوطني المنبثق عن مؤتمر الصومام والذي تكونت بموجبه المناطق والنواحي فعين مسئول ناحية وتضم الناحية القسمة والبلدية ويمثل الثورة في جميع مناحي التسيير والعلاقات مع الشقيقة تونس وصار ينقل من ناحية إلى أخرى عبر تراب المنطقة الخامسة ولاية الكاف التي تناوب على تسييرها القادة المناضلون حفناوي زاغز ومحمود فارس وعمار قابة والتونسي صالحي. واختير المترجم له من بين المكلفين بتلخيص تقارير النواحي التي تحول إلى النظام على المستوى الوطني وهو عبارة عن مكتب سياسي بإشراف الأستاذ القدير الطيب الثعالبي المعروف بسي علال وبعد تشكيل الحكومة المؤقتة الأولى في 19 سبتمبر 1958 برئاسة الزعيم فرحات عباس وكان من بين الوزارات وزارة الشئون الثقافية والتي تشمل التربية والتعليم والثقافة وأسندت حقيبتها إلى الأستاذ أحمد توفيق المدني وسارعت الوزارة في فتح مدارس لتعليم أبناء المهاجرين الذين تجاوزوا سن التمدرس وقد بادرت بذلك قادة وحدات جيش التحرير الوطني على الشريط الحدودي وانتدبت مجموعة من خريجي جامع الزيتونة والمعهد الباديسي ومدارس جمعية العلماء الجزائريين للقيام بهذا الواجب وأضيف للمترجم له مهمة التدريس وإدارة المدرسة التي يدرس بها وهي مهنته المفضلة منذ شبابه بالإضافة إلى القيام بشؤون الناحية إلى أن من الله علينا بالاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية فعاد وكله أمل لخوض معركة البناء والتشييد.
نضال الشيخ في ثورة البناء والتشييد:
ما إن وضعت الحرب أوزارها واسترجعت الجزائر عزها وسيادتها بعد كفاح مرير عين الشيخ أمين قسمة بحزب جبهة التحرير الوطني تحت إلحاح أحد زملائه في الدراسة سعيا منه لتكوين المناضلين وإعداد الإطارات المسيرة الواعية سيما عنصر الشباب المعول عليه بناء على خبرته وكفاءته النضالية فأرسى القواعد ووضع القطار على السكة وفي تلك الأثناء كانت وزارة التربية الوطنية التي أسندت حقيبتها إلى الأستاذ عبد الرحمان بن حميدة والتي كانت وقتئذ تسمى بوزارة التعليم القومي والإرشاد الديني عاكفة على إعداد العدة لاستقبال الموسم الدراسي 1962-1963 وعينت جمعا غفيرا من أبناء الوطن العائدين من تونس والمغرب وخريجي المعهد الباديسي وبعض المدارس الحرة مستعينة ببعض البعثات من بعض الدول الشقيقة من سوريا ومصر والعراق والأردن وفلسطين فوجد نفسه مجبرا على دخول معركة الجهاد الأكبر مساهمة منه في حمل مشعل رسالة التربية والتعليم التي أحبها منذ شبابه فذهب إلى مفتشية أكاديمية عنابة التي كانت تتربع على خمسة ولايات من بينها ولاية سوق أهراس حاليا وعاد يحمل تعيينا بإحدى مدارس دائرة سوق أهراس حينما كانت سوق أهراس دائرة تابعة لولاية عنابة ففرحت أسرة المدرسة معلمون وأولياء وتلاميذ لكنه لم يلبث بها إلا قليلا لينقل إلى مدرسة البشير الإبراهيمي لامارن سابقا بمقر الدائرة سوق أهراس فساهم في النهوض بالمدرسة الجزائرية بالمشاركة في العديد من الملتقيات واعترافا بجهوده وإكراما له أسندت له إدارة مدرسة ابن رشد بالمدينة منذ 1973 وبقي وفيا للتربية والتعليم إلى أن أحيل على التقاعد في 3 مارس 1999 ليتفرغ إلى النضال في حزب جبهة التحرير الوطني.

وفاة الشيخ:
بعد وفاة زوجته وشريكة حياته التي قاسمته ظروف الحياة الصعبة مرها وحلوها وكانت أمنيته الوحيدة أن يموت قبلها حتى لا يبقى وحيدا لا أنيس له ويرى فاجعة موتها وآلام فراقها ولكن وكل شيء يجري بقدر الله وقضائه ولا مرد لقضاء الله ولا معقب لحكمه فعاش حزينا كئيبا إلى أن التحق بالرفيق الأعلى في 3 مارس 1999 بعد سنة واحدة من موتها تاركا وراءه أربعة أبناء وخمس بنات وسجلا مليئا حافلا بالتضحيات الجسام والمجهودات الجبارة في ميدان التربية والتعليم وجمعا غفيرا من طلابه ومحبيه وكل من عرفه وقد أبنه احد رفاقه في الدراسة والتضحية والنضال كاتب هذه العجالة فاثني عليه ذاكرا خصاله وإعماله الجليلة الخالدة مما أبكى مشيعيه وعاد المشيعون ودموع الحزن والأسى بادية على وجوههم.
فرحمه الله وأنزل عليه شآبيب رحمته بما قدم للتربية والتعليم والبلاد والعباد وأسكنه فسيح جنانه وألهم ذويه الصبر والسلوان إنا لله وأنا إليه راجعون.
الوثائق المعتمدة في هذا البحث
– شهادة ميلاد
– شهادة الوفاة
– الشهادة الأهلية
– شهادة التحصيل
– نسخة من سجل أعضاء المنظمة المدنية
– نسخة من شهادة الإحالة على التقاعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق