البصائر

حول اختلالات مقومات استمرار الحياة -بقلم منصف بوزفور

العصر بالكاد هو عصر استنزاف للموارد الطبيعية كما هو عصر استنزاف للطاقة، فمنذ عرف الإنسان الصناعة وابتكر السيارة والجرار والآلات الصناعية، أصبح أكثر حاجة إلى الموارد الطبيعية والطاقة.
وهاهي ذي الطبيعة تهدد في صميم ما نسمّيه الحياة، فالآثار الوخيمة للصناعة على البيئة وارتفاع موجة الحرارة على الأرض، وذوبان الجليد على القطب الشمالي والجنوبي وارتفاع نسبة مياه المحيطات ينبئ بأن كثيرا من المناطق في الأرض ستغمرها المياه.
واستنزاف الموارد الطبيعية يؤكّد أن قسطا ضخما من تقدّمنا المادي ستدفع ثمنه الأجيال القادمة.
لهذا السبب يعترض كثير من العلماء على التبذير في الموارد الطبيعية، فهذا “كيرك” الذي يرى أن أمريكا تستهلك فوق طاقة مواردها، وأنها تستهلك زيادة حصة الأجيال القادمة، فهناك تبذير كبير للمعادن والغابات والتربة، وتخفيض في منسوب المياه الجوفية، وكل ذلك لإشباع شهوات السكان الحاليين للبلد.
لهذه الأسباب يدعو “كيرك” بالابتعاد عن الاستنزاف الأهوج للموارد الطبيعية، ووجوب توظيف التقنيات الفعّالة لمصلحة الأجيال القادمة، والحفاظ الطوعي على الأراضي والمعادن والغابات والمياه.
فبالنسبة لكثير من العلماء هناك مشكلات مخيفة تواجه الكرة الأرضية، فهناك الاحترار العالمي وانهيار التنوّع الحيوي وكل هذا له آثار وخيمة على الأرض وعلى الحياة.
ونذكر أن استخدامنا الكثيف للوقود الأحفوري قد غيّر تركيب الغلاف الجوي على نحو لافت، بحيث يمكن أن تكون نتيجة هذا مدمّرة.
وعلينا كما يبدو أن نخفض إلى حد كبير استخدامنا للطاقة لكي ننقص الكمية الزائدة للغازات الدفيئة.
واليوم، لا أحد يُنكر تدنّي التنوّع الحيوي على الأرض في قرننا المنصرم، وإننا نعلم أن التنوّع المدهش للحياة واحد من أكثر السمات بروزا لكوكبنا البديع. فقد تطور عدد هائل من أشكال الحياة على مدى مئات الملايين من السنين.
وفي السياق الطبيعي للأحداث، تنقرض الأنواع باستمرار وتنشأ أنواع أخرى.
وما حدث اليوم على الأرض هو انقراض لكثير من الأنواع الحية بمعدّلات تفوق مئات أو آلاف المرّات المعدّلات الطبيعية.
فإذا كان يجب صون الحياة على الأرض إلى جانب صون التنوّع، فإنه لا ريب أن ذلك يتمّ بحماية البيئة. ونذكر أن مجتمع الأعمال كثيرا ما يعترض على تدابير الحد من التلوّث، بحيث أن لحماية البيئة تكاليف لابدّ منها، يركن المجتمع الصناعي في كثير من الحالات إلى تجاهلها.
ويظهر أن نظرية السوق الحرة ستعمل على تصنيم قوانينها، فإذا كانت مشكلات البيئة مقرون بالإنتاج الذي يقدّم لهذه السوق الحرة.
وهذا “جان غراي” يرى أن قوانين السوق مع أنها لازمة على نحو ضروري، إلا أنها غير كافية لضمان سلامة البيئة والإنسان وما هو طبيعي، وأنه ينبغي إكمالها بالنشاط الحكومي.
فعلى الحكومات إيجاد حلول عند مواجهة مشكلات معيّنة، فمثلا هناك أضرار تسببها المبيدات الملوّثين والمسببين لانتشار هذه المبيدات.
ويظهر أن تحجيم الأراضي الزراعية وأراضي الغابات والأراضي الرطبة، والتمدّد العشوائي للمدن، والتوسّع الصناعي، يعاد في الأصل إلى سياسة الدولة ذاتها، التي تخلّت عن دورها في حماية البيئة.
ويذهب البيئيون إلى وجوب صون النطاقات الطبيعية نظرا إلى ما تحمله من قيم جمالية وروحية، فالإنسان بحاجة إلى العودة إلى الطبيعة دوريا من أجل التجدد روحيا والإبلال من ضغوط الحداثة وحمّى الحياة المدنية.
وليس بإمكانه اليوم العودة خاصة وأن الحياة المدنية هي الطاغية اليوم على كل حياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق