أعلام

الجزائري الأكثر حضوراً إعلامياً في فرنسا..مالك شبال في ذمة الله – بقلم محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا

كتبت الأسبوع الماضي عن شهداء ثورة التحرير بمناسبة ذكرى الفاتح من نوفمبر 1954، وقلت أن “السعداء هم الشهداء الذين لم يروا الاستقلال”، مبينا بعض ما أمكنني الذهاب إلى قناعة بأن الجزائر فوتت فرص كثيرة على نفسها، الأمر الذي سمح لي بالجزم، بأن مشروع نهضة الجزائر أجهض. لذلك وجدت نفسي مجبرا، على التذكير بالوفاء لهؤلاء الشهداء لأن الوفاء قليل في البشر، و أوفى الأوفياء من يفي للأموات، لأن النسيان غالبا ما يباعد بين الأحياء وبينهم، فيغمطون حقوقهم، ويجحدون فضائلهم. فما بالكم بالوفاء للشهداء الذين باعوا لله أنفسهم على مذبح الحرية وقدموا أنفسهم قربانا لها.. وما دام الموت لا يعطي موعدا والموت”كأس وكل الناس شاربه”، أو على حد قول كعب بن زهير:
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ … يَوْماً على آلَةٍ حَدْباءَ مَحْمولُ
مع رحيل كل صاحب فكر أو أثر، فلسفة الموت تأخذ أبعادا كثيرة
فمحطة الموت هذه جسر فريد لابد للحي أن يمر به، أو كما تساءل كاتب وناشط حقوقي سوري أخيرا في المهجر، وهو يعدد قائمة شخصيات سورية كبيرة رحلت عن دنيا الناس، من أعلام الفن والفكر والسياسة التي فقدتهم سوريا في الأشهر الماضية أو على الأقل سنوات الحرب الأخيرة، إلى درجة يصعب، ربما، معها توثيق كل الأسماء، والحالات، وظروف رحيلهم، متسائلا: هل كل الناس يموتون؟ هل كل الناس يبدأون حياتهم في المهد وينتهون في اللحد؟ ما معنى الموت؟ وما معنى الخلود؟ أسئلة كثيرة، وربما معادة، وتقليدية، طرحت وتطرح، مع رحيل كل صاحب فكر أو أثر، رجل تاريخ، أو أدب، أو سياسة.. مضيفا أن “فلسفة الموت تأخذ أبعادا كثيرة، دينية، وأخلاقية، وظلت وستظل مثار جدل على مر التاريخ، منذ وجد الإنسان على هذه الأرض، وستبقى، وهي في كتب السماء، والعقائد الوضعية، وثقافات الأمم والشعوب، المروية والمكتوبة، وفي العلوم، وما هو حاضر وواقع، أو ما وراء الطبيعة..”
هل مات هؤلاء فعلاً؟ هل رحلوا دون عودة؟ رحل الكثيرون قبل هؤلاء هذه السنوات الأخيرة في حروب سوريا ومصر واليمن والعراق وغيرهم في عالمنا العربي، وسيلتحق بهم كل من على هذه الأرض، ولكن الأكيد أن هؤلاء ليسوا عابرين بين الكلمات العابرة، فلقد خلفوا وراءهم إرثا يعتد به، و”علما ينتفع به” لن ينقطع، وهكذا هي سيرورة التاريخ وتعاقب الأجيال..
رحيل المفكر الجزائري ” مالك شبال” يدخل في هذه الخانة
ورحيل الكاتب و المفكر الجزائري “مالك شبال” يدخل في هذه الخانة مع اختلاف بعض مفكرينا مع بعض طروحاته، والراحل مات في المهجر، و في فرنسا تحديدا ” أم الخبائث” على حد تعبير العلامة محمد البشير الابراهيمي، فرنسا المعروف عنها محاصرة كل صوت إسلامي مهما كان لونه وتوجهه، فرنسا ذات السياسة العلمانية العرجاء المتسمة بالإقصاء للأجنبي المسلم عموما، وللجزائري خصوصا.. رغم ذلك فتحت وسائل الإعلام أبوبها على مصراعيها لبعض الكتاب منهم الراحل مالك شبال وهو أخف الضررين في طرحه، وبالتالي يصبح رحيل مثل هؤلاء محزن ومؤلم حتى و لو اختلفنا معهم في المنهج وتقدير المصالح، ولكنهم بالتأكيد أكثر حظاً من آخرين رحلوا، لم تعرف إلا قلة من الناس أهميتهم ودورهم، وما قدموه لمجتمعهم ووطنهم ودينهم و لو من وراء البحار، غادروا دون أن يحظوا بما يستحقون من تكريم وعزاء، وهم كثر ..
مالك شبال الحائز على 3 دكتورات والمتعدّد المشارب والاختصاصات.
وُلد المرحوم مالك شبل عام 1953 في سكيكدة بالشرق الجزائري حيث كبر وترعرع وأكمل دراساته الثانوية والعليا في جامعة قسنطينة قبل أن ينتقل إلى باريس عام 1977. وهناك نال شهادة الدكتوراه الأولى في علم النفس من جامعة باريس السابعة. وفي عام 1982 نال شهادة دكتوراه ثانية في مجال علم الأنثروبولوجيا وتاريخ الأديان من نفس الجامعة. وفي عام 1984 نال الدكتوراه الثالثة من معهد العلوم السياسية في باريس. وبالتالي فالرجل متعدّد المشارب والاختصاصات. ونظرا لكلّ هذه الشهادات والمؤهّلات فإنّه عُيّن عام 1995 أستاذا في جامعة السوربون وأصبح مخوّلا بالإشراف على الأطروحات الجامعية للطلاّب. و بالتوازي مع نشاطاته الجامعية فانّ مالك شبال محلّل نفسانيّ أيضا. وقد فتح عيادة في باريس لهذا الغرض. وفي ذات الوقت يُدعى مالك شبال إلى مختلف جامعات العالم لإلقاء المحاضرات. فقد اشتغل أستاذا زائرا في جامعة مراكش بالمغرب وجامعة تونس والجامعات المصرية والجامعات الأميركية الشهيرة من بيركلي إلى ستانفورد إلى سان فرانسيسكو إلى لوس انجلوس فشيكاغو ونيويورك، إضافة إلى جامعة بروكسيل وغيرها في أوروبا..
حضارة الإسلام لا تُختزل بقضايا العنف أو التشدد
كل ذلك الجهد والبحث المتواصل والحضور الإعلامي المكثف هدفه ما صرح به مرات عديدة “رؤية الإسلام من منظور تنويري وهو أبعد من موضوع معرفي إلى وعي صورة الإسلام التي أصابتها أحداث 11 أيلول/ سبتمبر بتمزقات حادة في الغرب”، فيحاول مالك شبال أن يقدم “الصورة الحقيقية للإسلام وحضارته التي لا تُختزل بقضايا العنف أو التشدد”، فيقدم صفحات مثيرة عن بغداد العباسيين ومصر الفاطمية وإسبانيا الإسلامية، ويجيب عن أسئلة ساخنة جداً ومحل اختلاف، وهدفه كما يقول دائما ” محاولة مدّ جسور التواصل والانفتاح والتسامح مع الآخر”، ويدعو الغرب إلى قراءة الإسلام من جديد كمنجز فكري وحضاري وإنساني إلى كونه “منجزاً دينياً”..
القطرة التي أفاضت الكأس كتابه ” تغيير الإسلام” و”ترجمة القرآن”
للراحل عدة مؤلفات عميقة وثرية منها «قاموس الرموز الإسلامية»، «العبودية في أرض الإسلام»، «أسماء الحب الـ100»، و«الإسلام كما شرحه مالك شبل»، «الخيال العربي الإسلامي»، «الموضوع في الإسلام« ، «ظاهرة الإسلام»، «وترجمة القرآن»، و«الإسلام من اللحم والدم»، إلى كتب أخرى مثل «الجسد في الإسلام» وكتابه «العبودية في الإسلام» أي ما يربو على 25 إصداراً، وأخرى تحت الطبع.والقطرة التي أفاضت الكأس في نظر العديد من المتتبعين، كتابه الجديد ” تغيير الإسلام”، الصادر عن “دار البان ميشال” وكتابه الآخر الذي أثار زوبعة كبيرة حوله، هو «ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية» الذي أثار فعلا جدلاً كبيرا حول ترجمة المعنى وترجمة النص، علما أن صاحبه اشتغل على هذه الترجمة طيلة 15 سنة جمعت في 1250 صفحة، في قاموس موسوعي للقرآن الكريم لاقى أصداء إيجابية لدى بعض الدارسين والمستشرقين وأخرى غير راضية لدى العديد من الفاعلين و المهتمين بالشأن الإسلامي في أوروبا. وهي ترجمة تختلف جذريا عن الترجمات السابقة المتداولة باستحسان رغم نقائصها المعدودة كترجمات محمد حميدو الله وترجمة حمزة أبوبكر الجزائري وترجمة محمد شيادمي المغربي وترجمة التونسي صلاح الدين كشريد وغيرها..
نحن ندفع اليوم ثمناً باهظاً للعنف الشرعي الأمني الذي تحتكره السلطات
المرحوم هو أيضا صاحب عبارة «إسلام التنوير» (2004) ومن كبار الاختصاصيين مزدوجي اللغة الأكثر حضوراً إعلامياً في موضوع “الإسلام و المسلمين”، لمع اسمه أكثر بعد أحداث 11 سبتمبر في أوروبا، حيث استغلته بعض وسائل الإعلام لجلد الذات أحيانا، وهو الذي اشتغل منذ 25 عاماً حول موضوع الإسلام وأنجز دراسات أكاديمية نفيسة عدة من وجهة “نظر تنويرية وعقلانية” على حد قوله، وهي مادة سهلة التسويق في وسائل الإعلام الغربية، وهذه مجلة «لوبوان» الفرنسية التي أجرت حوراً مطولا معه، حول مواضيع عدة ..وحول الجنس والمرأة في الإسلام ذهب، إذ ذهب صاحبنا بعيدا، ضربا عرض الحائط بعض الخطوط الحمراء، بل حتى ممجدا لبعض النسوة شواذ التفكير كنوال السعداوي وصحيباتها في عالمنا الإسلامي.. وعن سؤال كيف يمكن القيام بخطوات إصلاحية في الجزائر أو مالي لوقف محاولات العنف، علما أن “الليبراليون” يتحركون في الشارع والجهاديون أيضاً؟ لست أجري ما المقصود بالليبراليون، أجاب رحمه الله: “..نحن ندفع اليوم ثمناً باهظاً للعنف الشرعي الأمني الذي تحتكره السلطات الشرعية أو ما يسمى الحل الأمني المفرط في الاستخدام. في حين المطلوب حلول سياسية واجتماعية ومقاربات أخرى إصلاحية تأخذ في الاعتبار مزاج الشعوب والنخب المثقفة”.
آخر مرة التقيته وعلى ذكر الموت، في آخر مرة التقيته في معرض الكتاب الدولي بجنيف، طبعا المعرض هو المكان الوحيد الذي أراه فيه كل سنة تقريبا، يأتي دائما لتوقيع كتبه و يحاضر على هامش الصالون الدولي، يومها تجاذنا أطراف الحديث كالعادة عن الجزائر وهموم شعب الجزائر و جاليتنا المسلمة في فرنسا و غيرها.. ومن الأمور التي بقية عالقة في ذاكرتي استفسار أحد الجزائريين المقيمين بأوروبا حول سبب مقتل الرئيس الأسبق محمد بوضياف، علما أن الرجل جاء لإصلاح ذات البين واجتثاث العنف و إرجاع الشرعية للدولة، فتبسم المرحوم مالك شبال من هذا الوصف طالبا رأيي في الموضوع فقلت لهذا الجزائري مازحا بالفرنسية ” أن الرئيس بوضياف أنتحر ولم يُقتل” .. فعلق مالك شبال بجد وحزم عن جوابي قائلا، “هذا هو السبب الوحيد لوفاة بوضياف، لا غير..”
مالك شبال يلتحق بالكاتب اليساري أحمد بناني المغربي
واليوم بموت مالك شبال في سن العطاء، و قبله بأيام موت الكاتب اليساري أحمد بناني المغربي، من نفس الجيل. بناني من مواليد 27 مارس 1948 بمكناس، يعد من أشهر معارضي النظام المغربي بالخارج أو كما يفضل تقديم نفسه ” معارض المخزن المغاربي”، وكان مناضلا في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وصديقا للمعارض المغربي البارز محمد البارودي، المسؤول في الحزب نفسه الذي غادر المغرب منفيا سنة 1963 وتوفي ببروكسيل في يونيو 2007
المعارض الراحل هو من خريجي جامعة السوربون بفرنسا، ثم استكمل دراسته العليا بجامعة لوزان، وبعدها تم تعيينه أستاذا لمادة التاريخ وعلوم الأديان بجامعة بلوزان السويسرية حيث جمعه البحث العلمي بالمفكر العربي الدكتور محمد أركون وكان صديقا للرئيس الجزائري الأسبق أحمد بنبلة، وللمعارض الجزائري المخضرم الحسين آيت أحمد الذي كان للراحل أحمد بناني فضلٌ كبير في إعادة تصحيح كتابه الشهير “ذاكرة محارب”.
أحمد بناني استغلته هو أيضا وسائل الإعلام الغربية
الدكتور بناني استغلته هو أيضا وسائل الإعلام السويسرية والغربية عموما أبشع استغلال لضرب المسلمين في الظهر والتهكم بالدين الإسلام، وهو الذي يصف نفسه بـ” المسلم العلماني” الذي لا يصلي ولا يصوم، عالما أن والده متدين ومناضل.. فالمعارض المغربي مناضل شرس في ميدان حقوق الإنسان وكتاباته متداولة في الصحف، ووقف مواقف بطولية مساندة لللاجئين العرب منذ سنوات خاصة أخيرا ضحايا الربيع العربي، وحسن إسلامه في آخر عمره، لما أصيب بمرض السرطان عفاكم الله، وأصبح يتردد على الإخوة المغاربة لأخذ لحم الحلال من محلاتهم و كذا مواقيت الصلاة، إلا أن جنازته، كانت كارثية للغاية، فمراسيم التأبين، تمت بنفس الطريقة التي تمت بها جنازة زميله الجزائري الحسين آيت أحمد، و كُنت قد كتبت عن ذلك منذ أقل من سنة مستغربا لأن نضال آيت أحمد لا يستحق مثل هذه الخاتمة التعيسة..
جنازة بناني لم تقرأ فيها فاتحة الكتاب و لا حتى النشيد الوطني
نعم نفس المراسم الجنائزية من موسيقى وكلمات تأبنيه تمجيدا لنضالاته بحضور عربي وغربي حاشد من نساء ورجال ومسؤولي مدينة لوزان، لم يذكر فيها اسم الله مطلقا، ولم تقرأ حتى فاتحة الكتاب، ولا حتى النشيد الوطني المغربي بحضور إخوة مغاربة متدينين، مما حز في نفسي فأضطر كاتب هذه السطور للوقوف والذهاب لتلاوة فاتحة الكتاب على ضريح المرحوم والدعاء له مع مراي ومسمع من الجميع.. لا لشيء إلاّ لأني التقيته بعد موت آيت أحمد، مرتين أو ثلاث وذكر لي أن آيت أحمد إستودع عنده مذكراته وأمور تاريخية مهمة، ووعد أن يريني بعضها لما تتحسن حالته الصحية، وفعلا وهو يعد لكتابة شيء عن الذكرى الأولى لرحيل آيت أحمد، منذ أسابيع فاضت روحه لبارئها.
هل برحيل هؤلاء طويت صفحاتهم وعطائهم ؟
برحيل مالك شبال وأحمد بناني وأستاذه محمد أركون طويت صفحة هؤلاء وعطائهم، فقد توقفوا عن الفعل اليومي، فلن نسمع بعد اليوم عن كتاباتهم الإعلامية، ولكن بالتأكيد سنرى تأثرا بهم، على مدى أجيال قادمة. وبالقطع أن هناك العشرات من الباحثين والدارسين سيعودون لمؤلفات محمد أركون ومالك شبال وغيرهما في مجالات الفكر والسياسة وعلم الاجتماع، وقضايا العقل والتنوير والحداثة، يرون ما يرون فيها.
هل مات كل هؤلاء؟ هل ووروا الثرى وانطوت سيرتهم وأسدل الستار عليهم، بحق وموضوعية وأمانة هؤلاء لم يموتوا، ولن يموتوا، فهم في سفر وذاكرة شعب مسلم حي يتلمس طريق خلاصه وتخلصه. لأن بين رحلة الحياة والموت، وهي حقيقة راسخة، يخط البشر بأيديهم وعملهم ما يحفظ أسماءهم في لوح محفوظ، خيرا أو شرا. رحل هؤلاء… نعم، لكن لا أظن أنهم ماتوا. ولا يسعنا إلا نقول: “رحم الله موتى المسلمين، وأسكنهم فسيح جناته، ومَنَّ عليهم بمغفرته وستره”..”وأنا لله و إنا له راجعون”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق