البصائر

الاجتهاد الجماعي سنة راشدية وضرورة شرعية- أ.نور الدين رزيق

إنّ من أهم القضايا المطروحة اليوم على العالم الإسلامي السني بالخصوص قضية المرجعية لما لها من أهمية قصوى ودور مصيري في حياة الأمة، ولكن الحديث عنها له حساسية كبيرة، ذلك أن المرجعية هي المؤهلة لبناء الحضارة الإسلامية وترسيخ دعائمها، والمرجعية أيضا قيم ومبادئ، رؤية ومواقف مستوحاة من رسالة الوحي (قرآن كريم وسنة نبوية شريفة).
كما أن المرجعية مرتبطة بمصالح الأمة، شخصية الهيئة أو المؤسسة الموجهة ومنهجها ونهج حياتها.
فنحن في حاجة ماسة وملحة بل ضرورة شرعية أن تؤدي دورها في قيادة الأمة بدل الزعامة الفردية والقائد المرجع.
وقد لا تكون المشكلة في كيفية تشكيل مؤسسة اجتهاد جماعي ومعايير اختيار الأعضاء وإحكام الضوابط لاستقلاليتها وآلية تحييدها وحمايتها، وإنما المشكلة الأهم في طبيعة الموضوعات التي تعرض لها وتناقشها (سكن عدل، قروض البنوك الإسلامية، البركة وبنك السلام، وقروض المخصصة للشباب.. إلخ..).
إن الاجتهاد الجماعي أهمية بالغة في التشريع الإسلامي، وتتجلى أهميته من خلال مجموعة الأمور التي يحققها، وأبرز تلك الأمور: أنه يحقق مبدأ الشورى في الاجتهاد، كما أنه يكون أكثر دقة وإصابة من الاجتهاد الفردي، وهو في الوقت نفسه يعوض عما قد يتعذر علينا اليوم من قيام الإجماع.
أولاً: يحقق مبدأ الشورى:‏
يتحقق في الاجتهاد الجماعي مبدأ الشورى في الاجتهاد، وذلك أن أعضاء المجلس الاجتهادي يمارسون الشورى بتبادل الآراء، وتمحيص الأفكار وتقليبها على كل الوجوه، حتى يصلوا إلى رأي يتفقون عليه أو ترجحه الأغلبية ، وفي هذا تطبيق لمبدأ الشـــورى الذي أمـرنا الله به فـــي قولـــه تعالـى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(الشورى:38)، وقوله تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}(آل عمران:159).‏
ثانيًا: الاجتهاد الجماعي أكثر دقة وإصابة:‏
إن الاجتهاد الجماعي باعتباره تفاعل وتكامل ومشاركة بين مجموعة كبيرة من العلماء المجتهدين والخبراء المتخصصين، يتميز عن الاجتهاد الفردي بأنه يكون أكثر استيعابًا وإلمامًا بالموضوع المطروح للاجتهاد، وأكثر شمولاً في الفهم لكل جوانب وملابسات القضية، كما أن عمق النقاش فيه ودقة التمحيص للآراء والحجج، يجعل استنباط الحكم أكثر دقة وأكثر إصابة (فرأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد، مهما علا كعبه في العلم، فقد يلمح شخص جانبًا في الموضوع لا يتنبه له آخر، وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره، وقد تبرز المناقشة نقاطًا كانت خافية، أو تجلي أمورًا كانت غامضة، أو تذكّر بأشياء كانت منسية، وهذه من بركات الشورى، ومن ثمار العمل الجماعي) .‏
لذلك نجد حرص الخلفاء الراشدين على الأخذ به، وخاصة في القضايا العامة والمعقدة، حيث كان أسلوب الصحابة في الاجتهاد لتلك القضايا يغلب عليه الطابع الجماعي، فقد كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس بها نص من الكتاب أو السنة، جمع لها الخليفة رؤوس الناس وخيــارهـم واستشارهــم، فما اتفقوا عليه اعتبر حكمًا شرعيًا، ومن ذلك ما فعله عمر -رضي الله عنه- في جمع الصحابة للبحث في قسمة موارد العراق وغيره من الأراضي المفتوحة عنوة، وانتهى رأيهم بالاتفاق إلى إبقاء الأرض بيد أهلها وعدم قسمتها بين الغانمين) .‏
فإن الاجتهاد الجماعي يعوض في التشريع ما قد يتعذر تحققه، لغياب الإجماع والاجتهاد معًا، وهو بذلك يعيد للفقه حيويته وقدرته على مواجهة المشكلات بحلول شرعية صحيحة ودقيقة، فإذا كان اتفاق كل المجتهدين ¬الذي هو أساس الإجماع¬ متعذر فإن اتفاق أكثر المجتهدين لن يكون متعذرًا، وهذا ما جعل بعض العلماء يذهب إلى أن الإجماع بالمعنى الأصولي لم يتحقق، وإنما الذي تحقق هو الاجتهاد الجماعي.
ثالثا: الاجتهاد الجماعي يقي الاجتهاد من الأخطار:‏
تبين لنا من خلال ما سبق، أن الاجتهاد كان في أحسن أحواله عندما كان جماعيًا، ثم تسربت إليه الإشكالات عندما صار فرديًّا، مما دعا إلى القول بسد باب الاجتهاد..وإذا كان استمرار الاجتهاد ضروريًا، فإن قيامه في زمننا بشكل فردي، يخشى معه أن يأتي بالإشكالات نفسها التي أدت بالعلماء ¬في منتصف القرن الرابع الهجري¬ إلى إغلاق باب الاجتهاد، بل إن تلك المخاوف صارت اليوم أكثر بروزًا (حيث بدأ كل من يرى في نفسه القدرة على النظر الفقهي، يلبس ثوب الاجتهاد، ويخرج على الناس بالآراء الاجتهادية، حتى ولو لم يكن من أهل الاجتهاد، ولم تتوفر فيه أكثر شروط الاجتهاد، فتضاربت الأقوال وتبلبلت الأفكــار، وأصبـــح النـــاس في حيــرة مما يسمعون أو يقرأون) .‏
ويخشى أيضًا من المتاجرين بالدين، الذين يصدرون كتبًا وفتاوى غراره، يتزلفون بها إلى الطغاة، أو يخدمون بها أعداء الإسلام، فيهدمون دعائم الدين تحت ستار الاجتهاد وحرية التفكير، طمعًا منهم في منافع يجنونها من وراء ذلك، لا يبالون معها بسخط الله .‏
كما أن ذلك لا يمنع الأفراد أن يكتبوا وينشروا أبحاثًا ودراسات، وأن يقولوا ما يرونه من اجتهادات، ولكنها تظل في نظر الأمة مجرد آراء واجتهادات فردية وأبحاث تمهيدية، ينبغي أن تخضع للنظر من قبل المجامع الاجتهادية .
رابعا: الاجتهاد الجماعي علاج للمستجدات:‏
إن هذه المستجدات تكون في الغالب قضايا عامة، يهم تنظيمها كل المجتمع، وليست من القضايا الفردية التي تتعلق بكل فرد على حده، وعليه فإن أي خطأ في الاجتهاد للقضايا العامة يصيب أثره عموم الناس، لذلك يجب في هذه القضايا أن يكون الاجتهاد جماعيًا.
إن الكثير من القضايا المستجدة، قد يحيط بها الكثير من الملابسات والتشعبات والصلات بقضايا وعلوم متعددة، مما يجعل القدرة على فهم كل جوانبها ومتعلقاتها لا يكتمل إلا أن يكون جماعيًا.
فالاجتهاد الجماعي يكون أقدر على علاج قضايا الأمة في زمن تعددت فيه الخبرات، وتشعبت فيه العلوم، وتعقدت المعاملات أشد التعقيد، وأحاط بها الكثير من التشابك مع قضايا وعلوم أخرى، بصورة لم تكن معهودة من قبل، وأصبح الفقيه مهما كان علمه وفقهه وجودة قريحته، لا مفر له من الاستعانة بذوي الخبرة والاختصاص في كل فن وفي كل علم.‏
ومن الأمثلة على هذا النوع من القضايا، ما تزخر به حياتنا العملية من العقود المتنوعة التي جدت، والشركات والمعاملات المصرفية بأنواعها، والكثير مما يتعلق بنظام الحكم والسياسة الشرعية .‏
حجية الاجتهاد الجماعي:
أما حجية الحكم الاجتهادي بالنسبة للكافة من المسلمين فإنه لا يلزمهم إتباعه، ويجوز لهم مخالفته إلى اجتهاد آخر، لأن ما توصل إليه المجتهد من حكم إنما كان بغلبة الظن وليس بنص قطعي الدلالة والثبـــوت أو بإجمـــاع لا يحتمل المخالفة، ولأن أساس استنباط ذلك الحكم كان عن طريق الأمارات التي نصبها الشارع للاهتداء بها وهذا يختلف باختلاف الأفهام والمناهج .‏
الاتجـاه الأول:‏
ذهب كثير من العلماء إلى أنه ليس بإجماع، لأنه لا ينعقد الإجماع إلا باتفاق جميع المجتهدين وعدم وجود المخالف، وفي حالة رأي الأكثرية يقابله رأي الأقلية، فيكون رأي الأكثرية ليس إجماعًا، لأن الأدلة على الحجية وعصمة الأمة من الخطأ إنما كانت في حالة الإجماع من كل المجتهدين، باعتبار أنه لا يمكن اجتماعهم على ضلالة.
الاتجــاه الثاني:‏
ذهب بعض العلماء إلى أن رأي الأكثرية حجيته حجية إجماع، لأن الإجماع ينعقد بالأكثر، وإليه ذهب محمد بن جرير الطبري وأبو بكر الرازي وأبو الحسين الخياط وبعض المعتزلة وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بمجموعة من الأدلة .
أولا: وقوله: (لن تجتمع أمتي على ضلالة فعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة) ، وقوله: (يد الله مع الجماعة).
ثانيًا: إن الأمة قد اعتمدت في خلافة أبي بكر على انعقاد الإجماع عليه، باتفاق أكثر الصحابة، مع مخالفة بعضهم كعلي وسعد بن عبادة في أول الأمر.‏
ثالثا: إن الصحابة قد أنكروا على ابن عباس مخالفته لرأي الأكثرية في العول، وتحليل المتعة، وربا الفضل، والمناقشات بينهم وبينه لم تكن مناظرة، وإنما كانت إنكارًا عليه لمخالفته رأي الأكثرية.
خلاصة القول:
إنّ هذا الأمر (الاجتهاد الجماعي) في غاية الأهمية لأن القضايا التي تتطلب اجتهادا جماعيا تتزايد يوما بعد يوم، ولابد من توحيد الجهد والتنسيق فيما بين العلماء المتخصصين مواكبة لهذا التطور السريع في الحياة، وإخراج الناس مما هم فيه من حرج وحيرة، كسباً لثقتهم في مرجعيتهم والتمكين لشريعة ربهم في شتى مناحي الحياة.
هذه أبرز النتائج المستخلصة من هذه الكلمات المخطوطة، والله نسأل التوفيق والسداد والهدى والرشاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق