مختارات أدبية

تجليات عنابة في التراث مـخطوطة « الدُّرَّةُ الـمَصُونَةُ في عُلَمَاءِ وَصُلَحَاءِ بُونَةَ » بتحقيق علمي جديد

بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقـــة -جامعة عنابة-
تعد مخطوطة « الدُّرَّةَ المَصُونَةَ فِي عُلَمَاءِ وَصُلَحَاءِ بُونَةَ» واحدة من أهم المصنفات النفيسة التي سلطت الأضواء على مدينة بونة (عنابة) العريقة، وعرّفت بعلمائها وصلحائها، فهي بمثابة نفحة تاريخية تهب على حاضرنا، حيث إنها من الـدّرر الـتّراثيّة المهمّة الّتي تعود بفوائد جمة على، الشّعر، والشّعراء، والعلماء، والمؤرّخين بخاصّة، وهي موسوعة مهمة عن أعلام بونة تقدم معلومات ثمينة عن كبار علماء عنابة القدامى، وصلحائها، ويبدو وجه من أوجه نفاسة «الدُّرَّةُ المَصُونَةُ فِي عُلَمَاءِ وَصُلَحَاءِ بُونَة» في أن مصنفات صاحبها العلاّمة الإمام الشّيخ: أحمد بن قـاسم البونيّ في التّاريخ لم يصلنا منها إلاّ كتابه المسمّى: « التَّعْرِيفُ بِبُونَةَ إِفْرِيقِيَّة بَلَد سِيدِي أَبِي مَرْوَانَ الشَّرِيفِ» ، وهذه المنظومة الّتي اختصرها من منظومته الكبرى المحتوية على ثلاثة آلاف بيت، وتحتوي المنظومة المختصرة على ألف بيت.

تنشر «الدُّرَّةُ المَصُونَةُ فِي عُلَمَاءِ وَصُلَحَاءِ بُونَة » مُحَقَّقَةً أوّل مرّة،ب تحقيق علمي للباحث الأستاذ الدكتور سعد بوفلاقة؛ أستاذ التعليم العالي بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة عنابة، ورئيس تحرير مجلة بونة للبحوث والدراسات، ولم يكتف الدكتور سعد بوفلاقة بنشر المخطوطة محققة،بل وضع في تقديمها دراسة مستفيضة تناول فيها حياة العلاّمة الإمام الشّيخ: أحمد بن قـاسم البونيّ وآثـاره، وعرض مؤلفاته، وجهوده المتميزة.
وما تجدر الإشارة إليه، والتنويه به أن منظومة «الدُّرَّةَ المَصُونَةَ فِي عُلَمَاءِ وَصُلَحَاءِ بُونَةَ» سبق أنّ نشرها الأستاذ الدّكتور محمد ابن أبي شنب في التّقويم الجزائريّ لسنة 1331 هـ/1913 م، أي: منذ نحو من مائة عام تنقص قليلا،وقد بذل العلاّمة الدكتور محمد ابن أبي شنب جهوداً كبيرة في سبيل نشرها،كما تحمل عبء تصحيحها، وقد نبّه إلى ذلك، حين قال: «قَدِ اسْتَفْرَغْنَا الوَسَعَ فِي تَصْحِيحِ مُعْظَمِ مَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ مِنْ فَسَادِ النُّسَّاخِ، وَزِحَافِ الأَبيَاتِ حِرْصًا عَلَى تَعْمِيمِ فَوَائِدِهَا، وَنَشْرِ مَخْزُونِهَا، وَلَيْسَ بَيْنَ أَيْدِينَا إِلاّ هِي، وَبقيَ شَيءٌ لاَ يَخفَى عَلَى ذَكاءِ القَارئِ اللَّبيبِ».
ويشير المحقق إلى أنه قد استفاد من نسخة العلاّمة محمد بن أبي شنب، حيث يقول في فاتحة الكتاب: «وقد استعنت في تحقيق الدّرّة بالنّسخة الفريدة الّتي نشرها ابن أبي شنب، وليس بين أيدينا إلاّ هي، ونهجت في تحقيقها النّهج العلميّ المتّبع في ذلك، مع إيـراد الفهـارس الفنّيّة في نهاية النّصّ».
وعن منهجه في تحقيقها يقول: «اعتمدت في تحقيق «الدُّرَّةِ المَصُونَةِ فِي عُلَمَاءِ وَصُلَحَاءِ بُونَة » على نسخة ابن أبي شنب المنشورة سنة 1331 هـ/1913 م. ويبدو أنّها نسخة فريدة في العالم، إذ لم أهتد إلى نسخ أخرى سواها، فلم يذكرها بروكلمان في تاريخ الأدب العربيّ، ولم تذكرها الكتب الأخرى الّتي تهتمّ بنشر فهارس المخطوطات.
وقد حاولت جهدي إّتباع المنهج العلميّ السّليم في سبيل تحقيقها، ومن أجل ذلك قمت بما يأتي:
– ضبطت المنظومة الشّعريّة بالشّكل وبخاصّة الكلمات الّتي يحتمل الخطأ في نطقها …
– حاولت قدر الطّاقة أن أدقّق في الألفاظ والتّوثّق منها لتكون صحيحة تنسجم مع سياق الكلام…
– ثمّ شرحت الغريب من الألفاظ الّتي تحتاج إلى شرح، وتوضيح ليفهم القارئ غير المتخصّص المعنى…
– راعيت في التّحقيق دقّة نسخ الألفاظ، وتصويب الأخطاء الإملائيّة والنّحويّة والّتي وقعت سهوا من يد النّاسخ…
– ترجمت لبعض أعلام بونة، وذكرت وفيات بعضهم بعد نهاية النّصّ…
– ذيّلت الكتاب بالفهارس الّتي تعين القارئ في الوصول إلى المطلوب في يسر وسهولة…
-أضفت ملاحق لها علاقة بالنّصّ أعتقد أنّها تلائم الكتاب وتفيد القارئ.
أما تخطيطها، فقد جاء في أربعة أبواب وتذييل، يقع بعضها في عدةِ فصولٍ.
ففي الباب الأول تحدث عن علماء وصلحاء بونة الذين ذكرهم المؤرخ علي فضلون. وفي الباب الثاني قدم صورة لصالحي بونة الذين ذكرهم علي فضلون.
أما في الباب الثالث، فقد عرض لطائفة من علماء وصلحاء بونة الذين لم يذكرهم ابن فضلون، وتضمن سبعة عشرة فصلاً.
وفي التذييل لهذا الباب، تحدث عمّن دخل بونة من أهل العلم والصلاح، وقد جاء في خمسة فصول.
أما الباب الرابع والأخير، فقد ذكر فيه جُلّ مشايخه، وجاء في ثمانية فصولٍ.
صاحب المنظومة هو أبو العبَّاس أحمد بن قاسم بن محمَّد ساسي التَّميمي البونيّ، وُلـد ببونة المعروفة الآن بعنّابة في شرقي الجزائـر سنة (1063ﻫ/1653م)، وتوفّي فيها سنة (1139ﻫ/1726م). نشـأ في أسرة ميسورة الحـال، فقد كانت عائلتُه تنتمـي إلى » مجموعة بشرية واسعة مُمتدّة غربًا إلى نواحي قسنطينة، وشرقا إلى نواحي الكاف وباجة، حيثُ أخذ أحمد بن قاسم العلم من هذه النّواحي« .
وفي بونة بدأ تعليمه على يد والده قاسم، وجدّه محمّد ساسي، والإمام الشّيخ إبراهيم بن التّوميّ (سيدي إبراهيم)، وغيرهم، ثمّ واصل دراسته متنقّلاً بين المغرب الأقصى وتونس، كما رحل إلى المشرق العربيّ، وأخذ بمصر عن الشّيخ عبد الباقي الزّرقانيّ المتوفّى سنة (1099ﻫ/1688م)، والشّيخ يحيى الشّاوي المليانيّ بعد عودته من الحجّ، وتصدّره للإقراء بالأزهر الشّريف، وغيرهما، ثمّ عاد إلى بونة مسقط رأسه وتفرّغ للتّدريس والتّأليف، وقد أخذ عنه مجموعة من العلماء، منهم: عبد الرّحمن الجامعيّ، وعبد القادر الرّاشديّ القسنطينيّ، وسواهما، وكان فقيها مالكيّا، من كبار فقهاء المالكيّة، وعالماً بالحديث ، وله مصنفات كثيرة، حيث يذهب بعض الدارسين إلى أنها تصل إلى حوالي مائة كتاب ما بين مختصر، ومسهب حسب ما ورد في كتابه »التَّعريف مَا لِلفقير من التَّأليف « الّذي عدَّدَ فيه أسماء مؤلّفاته، وقد نشر الحفناويّ قائمة لتلك التّآليف في كتابه »تعريف الخلف برجال السّلف« ، ويرى الدكتور سعيد دحماني أنَّ تآليفه بلغت زهاء (175) عنوانا، معظمُها “منظومة في قالب (أراجيز)، مواضيعها تتعلّق بالحديث والسّنّة والقرآن”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق