البصائر

تعقيب على مقال ” لننقذ مدرستنا” (الجزء الثاني) – بقلم ضو جمال

تعقيب على مقال ” لننقذ مدرستنا”: الجزء الثاني
ضو جمال

السلفية الجديدة

بعد أن ذكّرنا أصحاب المقال بمفهوم الحلال والحرام والفرق بين المباح والفاسد والباطل والمندوب وغيرها من المصطلحات الفقهية التي يعلمها الخاص والعام تقريبا أضافوا أن السلفية هي التي دمرت كل هذه المفاهيم الفقهية في بلادنا إلى الحد الذي نسينا فيه التقاليد المالكية والحنفية ، ولم يبق إلا المذهب الإباضي شاهدا على دين أسلافنا.

دعنا نشير هنا إلى أن مصطلح السلفية الحديثة أو السلفية الجديد (neo-salafisme ) كان حاضرا بقوة وكانت كل الأسهم مصوبة نحوه وتم اختزال مشهد الصراع اللغوي والفكري في صراع مع من سموهم بالسلفية الجديدة . وهنا في الواقع وجدنا صعوبة كبيرة في فهم ما المقصود بالسلفية الجديدة. فلقد كان الأجدر بأصحاب المقال أن يقدموا تعريفا واضحا لمفهوم السلفية الجديدة الذي استعملوه كثيرا ، وخاصة أن من بين الكتاب أكاديميون يعرفون قيمة الكتابة العلمية ودقتها وأنه لا يمكن استعمال مصطلح من دون أن يتم تعريفه بشكل واضح وغير ملتبس. ولكن بالرغم من ذلك سنتجاوز هذه النقطة وسنأخذ المصطلح على ظاهره.

نشير إلى أن السلفية في حد ذاتها منقسمة حول نفسها إلى تيارات عدة ، ولكن واقع الأمر أن الحركة السلفية في الجزائر لم تمثل يوما الطرف الرئيس في الصراع الفكري واللغوي والهوياتي في الجزائر إلى غاية الثمانينات. والسبب أن هذا التيار لم يكن له وجود في الجزائر ( بجميع تياراته تقريبا)، فالتيارات أو الحركات الإسلامية في الجزائر إلى ما قبل الثمانينات لم يكن التيار السلفي طرف حاضرا فيها. كما أن التيار السلفي الأكثر انتشارا في الجزائر اليوم هو التيار السلفي العلمي والذي شجعته الدولة بشكل كبير وفتحت له المساجد وغدا يسيطر على كثير من منابر الخطابة في المساجد. ونشأة هذا التيار وانتشاره في الواقع كانت في نهاية التسعينات. وهنا ربما نذكر ما أورده الجنرال خالد نزار في مذكراته حول زيارته للسعودية و التي ذكر فيها بأن العاهل السعودي أوصاه بضرورة استعمال العصا مع الإسلاميين ، ومن المرجح أنه عرض عليه تشجيع تيار إسلامي سلفي على الطريقة السعودية لا يعارض ولي الأمر في شيء ولا يهتم إلا بالطقوس والتشديد على الناس في المظاهر، وهذا ما يبدو انه حصل بالفعل. ففي قمة التضييق على النشاط الإسلامي المعارض للنظام والوسطي شهدت الجزائر انتشارا واسعا للتيار السلفي الآل سعودي.
في واقع الأمر هذا التيار السلفي لا يوجد له عمق شعبي، فهو تيار أقرب إلى الموضة التي يتبعها عدد من الشباب ويعفيهم من خطورة المضايقات الأمنية بل يجلب كثير من المنافع المادية في ظل رضا الأنظمة القائمة على هذا النوع من التدين الشكلي . وما يهمنا هنا أن هذا التيار لم يكن طرفا في الصراع القائم حول المنظومة التربوية في الجزائر ولا حول اللغة . فهذا التيار لا يخوض في خيارات الأنظمة القائمة ولا يعارضها . ولهذا لا ندري عن أي تيار سلفي يتحدث أصحاب المقال!. فلم يصدر بيانا واحدا أو كلمة واحدة عن قيادات هذا التيار تنتقد الخيارات التي أقدمت عليها وزيرة التربية أو أي انتقاد للنظام الجزائري، فهم كما أشرنا يعتبرون ذلك خروجا عن طاعة ولي الأمر.( نشير أنه بعد كتابة المقال تبين أن مجموعة من الشخصيات المحسوبة على التيار السلفي العلمي أصدروا بيانا بتاريخ 6 نوفمبر 2016 حول موضوع المنظومة التربوية، ولكن الشاهد أنه لم يكن لهم أي حضور خلال السنتين الأخيرتين عندما أشتد الصراع حول القضايا اللغوية والدينية في المدرسة).
لهذا فإنه لا يصح لا عقلا ولا منطقا أن نربط بين السلفية العلمية ومشاكل المدرسة الجزائرية والعشرية السوداء، فهذا التيار لم يكن موجودا أصلا قبل التسعينات، وصعوده كان بسبب خيارات قام بها من حكموا الجزائر بعد سنة 92.

أما إذا كان أصحاب المقال يقصدون بالسلفية الجديدة الحركة الإسلامية عموما، أو التيارات الإسلامية بكل أشكالها، فإننا هنا أمام مغالطة اصطلاحية أخرى لا تليق بقامة بعض من كتبوا المقال. فالحركة الإسلامية الجزائرية التي كانت ولا تزال فاعلة أغلبها بعيد عن الفكر السلفي بحسب المواصفات التي لمسناها في المقال، فهي تيارات اختلفنا أو اتفقنا معها وبرغم من أخطائهم إلا أن أغلبها ليست ذات صبغة مذهبية بقدر ما هي ذات صبغة حركية فكرية ونهضوية وسياسية ، تستوعب تعدد المذاهب ومتفتحة عليها، بل أغلبها ملتزمة بالمذهب المالكي.

كما أن الدفاع عن اللغة العربية تبنته عدة تيارات وفئات مجتمعية، من الوطنيين إلى القوميين و البعثيين والتيارات الإسلامية بمختلف أشكالها..لهذا فإن المسألة أوسع بكثير مما يحاول أصحاب المقال اختزالها.
حمَّل أيضا أصحاب المقال الحركات الإسلامية مأساة التربية والتعليم. وهنا نشير أن تدهور مستوى والتربية والتعليم بشكل حقيقي كان في الفترة التي تلت التسعينات، وخاصة فترة الوزير بن بوزيد، أي خلال الفترة لم يكن هؤلاء الإسلاميين يجرؤون حتى عن الكلام! فلقد كانوا بين سجين وطريد وملاحق وطالت أدوات الاستئصال فئات عريضة منهم وتم طرد كثير من المعلمين والأساتذة ولم يعودوا إلى مناصب عملهم إلى اليوم. والسؤال الذي يجب أن يجيب عليه السادة أصحاب المقال: لقد تم إقصاء جميع من يحسبون على الإسلاميين والعروبيين من مفاصل الدولة والقرار ( التي لم يكونوا فيها أصلا) وفُرض عليهم السكوت والصمت والسجون لفترة قاربت العقدين وأصبح أحد كاتبي المقال وزيرا للتربية والتعليم العالي معا ..فلماذا لم تنهضوا بالتعليم والمدرسة الجزائرية؟..لماذا انهارت المدرسة الجزائرية انهيارا تاما بالرغم من أن من تسمونهم سلفية أو إسلاميين أو عروبيين كانوا خارج سلطة القرار والتأثير وكان من يتكلم يرمى في الصحراء أو في غياهب السجون.؟؟ لقد تم تشكيل لجنة يرأسها شخص أثنى عليه أصحاب المقال من تيار ذي لون واحد تقريبا وكانت له الكلمة العليا فلماذا لم تنهضوا بالتعليم…؟؟ ( هذا طبعا دون الحديث عن الفساد والدمار الذي لحق بباقي القطاعات والمجتمع عموما) .

أخيرا أقول أنه إذا كان أصحاب المقال لا يميزون بين التيارات الفكرية والإيديولوجية في الجزائر ويختزلون المشهد الجزائري والصراع الفكري في “السلفية الجديدة” من الناحية وبقية الشعب من ناحية أخرى بهذا الشكل فإنه من الصعب عليهم أن يقدموا قراءة صحيحة أو يصفوا علاجا لمعضلة الجزائر. أما إذا كانوا يميزون فإننا أمام إشكالية كبيرة وهي التدليس وعدم الأمانة العلمية والتاريخية. فبسلوكهم هذا يشبهون من يصور آل سعود بأنهم ممثلي الإسلام السني.

المذاهب والجبر والاختيار

المغالطة الأخرى التي جاء بها أصحاب المقال هو القول بأن المذهب المالكي والحنفي اختفيا من الجزائر. أولا لا ندري ما علاقة هذا الموضوع بالمدرسة ومستوى التعليم ! ثانيا هذه أيضا مغالطة كبيرة، فتأثير التيار السلفي مقتصر على أتباعه والذين يشكلون أقلية مجتمعية بالرغم من الحرية في الحركة التي منحتها له الدولة، بينما أغلب المجتمع لا يزال مالكيا سنيا في مجمل تعاملاته أو أباضيا – في الواقع أغلب المجتمع يمارس عباداته بشكل عادي ولا يتعرض إلا نادرا للخيارات المذهبية . صحيح أن هناك أفكارا وآراء فقهية مختلطة وانفتاحا لدى فئات كبيرة من المثقفين والمتعلمين على المذاهب الفقهية والفكرية المختلفة، والأمر نفسه يكاد ينسحب على باقي شرائح المجتمع، ولكن هذا أمر طبيعي ويأتي في سياق الانفتاح الإعلامي وتطور وسائل الاتصال وسهولة الوصول إلى المعلومة. فلا يمكن وقف حركة وتطور المجتمعات بل يجب أن تدار هذه القضايا في جو من الحرية والحوار الداخلي بضوابط علمية ، فالأفكار لا يمكن سجنها أو حبس حركتها ولكن يمكن مقارعتها بأفكار مقابلة. ولا ندري لماذا أصحاب المقال يتحدثون عن الحداثة وضرورة الانفتاح على الغير ولكن هذا الغير والحداثة والانفتاح لا تعني بالنسبة إليهم إلا ما يأتي من الغرب!..ألم يسأل هؤلاء أنفسهم لماذا الجزائريون بشكل خاص يمثلون شعبا مستوردا للأفكار ومقلدا في كل شيء إما شرقا أو غربا وضعيف التأثير، بل منعدم، في باقي الشعوب العربية والمسلمة؟؟.

نشير أيضا أنه لا يوجد لأجدادنا وأسلافنا سوى الإسلام دينا ، أما الخيارات المذهبية للدول والمجتمعات فهي مسألة متغيرة ومتأرجحة تاريخيا، فكون المذهب الأباضي كان مذهبا لدولة قامت في شمال أفريقيا لا يعني بتاتا أن أغلب المجتمع كان على مذهب حكامه. فلقد مرّ العبيديون ومرّ المرابطون والموحدون ولكل مذهبه، ولكن الشاهد أن أغلب الشعب الجزائري سني أشعري مالكي متعايش مع باقي المذاهب.

أيضا من المغالطات وخلط الأوراق التي وردت في هذا السياق من لدن أصحاب المقالة هي القول بأن المذهب الإباضي مضطهد وأن المجتمع والدولة لا يحمونه من التهديدات الواقعة عليه. وهنا لا ندري ما علاقة هذه القضية بموضوع المدرسة مرة أخرى. ولكن بالرغم من ذلك فإن قصة اضطهاد المذهب الإباضي هي من نسج خيال أصحاب المقال والتي تم الترويج لها مؤخرا من طرف دوائر إعلامية كثيرة من السلطة ومن تيارات إما ذات نزعة بربرية أو فرانكفولية. بينما الحقيقة أن ما حصل مؤخرا في غرداية أثبتت الأيام أنه لم يكن سوى انعكاس لصراعات في هرم السلطة وما إن حسم طرف الصراع حتى عاد الجميع إلى بيوتهم، كما أن هذا النوع من الصراعات والمواجهات تقع في كثير من مناطق في الجزائر بين الأحياء والعروش المختلفة. هذا من ناحية.
أما من ناحية أخرى فالحقيقة التي يتجاهلها أصحاب المقال وكثير ممن يتناولون الشأن الإباضي أن الإخوة الإباضيين يتمتعون بشبه حكم ذاتي في مسائلهم الدينية وحتى الاجتماعية ولا تتدخل الدولة في شئونهم الدينية مثلما تتدخل في باقي جهات الوطن. هذا النوع من الاستقلالية تتمتع به أيضا كثير من الزوايا التابعة لبعض الطرق الصوفية والتي لا تخضع أموالها ولا طريقة تسييرها لأي رقابة قانونية ومالية. أما في باقي جهات الوطن يبني الشعب المساجد بأمواله الخاصة من دون أي مساهمة من دولة ثم تأتي وزارة الشئون الدينية تضع يدها على المسجد وتختار الخطيب وما يجب أن يقال وما لا يجب أن يقال. نحن هنا لا ندعو أن تتدخل الدولة في الشأن الإباضي، بل بالعكس من الأفضل مراعاة خصوصيتهم المذهبية، ولكن لا يجب أن يكون لأي مجموعة أثنية أو مذهبية أو غيرها منظومة منفصلة خارج الرقابة القانونية والمالية للدولة وأن يطبق القانون على الجميع على قدم المساواة. أو ليست هذه دولة القانون التي يدعي كثيرون أنهم يصبون إليها؟؟؟

أخيرا طرح أصحاب المقال عدد من التساؤلات في آخر المقالة نتفق مع بعضها ونراها أسئلة في محلها، ولكن هناك تساؤلات وقضايا تبدو فعلا غريبة، وخاصة عندما يتحدث أصحاب المقال عن قضايا “الجبر والاختيار” ويدّعون أن المدرسة الجزائرية تتبنى منطق الجبرية. وهذا في الواقع إدعاء غير صحيح، فلا يتم تلقين التلاميذ هذه القضايا ولا يتم تناولها أصلا، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر عبر الإيحاء، ولا ندري ما محل هذه القضية الفلسفية الكلامية من النقاش!. اللهم إلا إذا كان أصحاب المقالة أو أحدهم يريد أن يستعرض قليلا من آرائه في هذه المسألة التي أشبعها علماء الكلام بحثا والتي يستحيل الوصول فيها إلى نتيجة مقنعة مثل أي تساؤل فلسلفي، ولقد خاض فيها علماء المسلمين عبر قرون والنتيجة الوحيدة هي فرق عقائدية متعددة وعدم حسم القضية التي لن تحسم بأي حال من الأحوال.

بيت القصيد

مقالة الستة احتوت في جوانبها كل شيء، العربية، التاريخ ،أصول الفقه، علم الحديث، المذاهب، ضرورة تدريس الأشعار والأساطير والقصص الأمازيغية لكل الجزائريين والشعر الملحون، …إلخ.. أقول كل شيء إلا مشاكل المدرسة الحقيقية والأسباب الفعلية وراء انهيار مستوى التعليم والتي لم يتطرق إليها أصحاب المقال. في واقع الأمر إنني على يقين أن أصحاب المقال لا يعرفون شيئا عن مشاكل المدرسة الجزائرية الحقيقة وما يعانيه أبناء الجزائر العميقة، فلا هم يعيشون بيننا ولا أبناؤهم درسوا أو يدرسون في هذه المدارس..لهذا فالمقال كان إيديولوجيا –أنثروبولوجيا بامتياز، وهو ديدن الوزيرة الحالية وفريقها ومن يدافعون عن خياراتهم..مقال احتاج إلى ستة مؤلفين، ولكنه لمسات أحمد جبار طاغية علي، ومن الواضح أن للمجموعة حسابات إيديولوجية وسياسية كثيرة أرادوا تصفيتها من خلال هذا المقال. ولهذا الغرض سلكوا شعبا وطرقا ملتوية طافت التاريخ والجغرافيا والسياسة لينتهوا إلى رسالة المدرسة التي يريدونها وهو بيت القصيد الذي جاء في الربع الأخير من المقالة حيث نجدهم يقولون صراحة ومن دون مواراة هذه المرة ما يلي:

” نريد من مدرستنا أن تتبنى تاريخ الجزائر وكذلك تاريخ الفضاء الحضاري الذي تنتمي إليه بلادنا حتى تستعيد رسالتها و دورها المتوسطي والإفريقي ”

وهنا نلاحظ أن كل الحديث والدفاع الظاهري عن ضرورة تحسين تعليم اللغة العربية والحديث عن قراءة نصوص الشعر الكلاسيكية والإمام مالك وأبي حنيفة والأباضية يتبخر ليتم ذكر ماذا يريدون من المدرسة وماهي مشكلتهم، وما هي الوجهة الحضارية التي يريدون التأسيس لها. فهم يتحدثون هنا بصراحة عن البعد المتوسطي والأفريقي.

في الواقع لا أحد يتدخل في قناعات أصحاب المقال، ولكن ما يُعاب عليهم هو غياب الشجاعة في التصريح بأفكارهم ومرادهم ومواقفهم الحضارية والإيديولوجية. فالبعد الحضاري للجزائر بالنسبة لهؤلاء ليس البعد الإسلامي العربي ولكنه البحر متوسطي والإفريقي ، وهو البعد الذي نصت عليه توصيات لجنة بن زاغو وما ورد في كتب ما يسمى الجيل الأول قبل الجيل الثاني . فالجزائر تعتبر جزءا من الفضاء الحضاري الذي تنتمي إليه فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وكذلك كينيا ونيجيريا وساحل العاج..إلخ. وهنا علينا أن نسأل ما هي العلاقة التاريخية التي ربطت الضفة الشمالية للبحر المتوسط بالجزائر غير الاستعمار واستعباد سكانها.؟. وهل الدول الأفريقية أقرب لنا حضاريا وتاريخيا من دول المشرق العربي والإسلامي؟؟؟

هل كان للجزائر دورا متوسطيا -إفريقيا بمعزل عن البعد الحضاري العربي الإسلامي بعد الفتح الإسلامي؟؟..ما هو الدور المتوسطي – الإفريقي الذين يريدون استعادته؟.. لأنه لم يكن للجزائر دورا متوسطيا – إفريقيا بمعزل عن المشرق إلا قبل الإسلام…أما بعد الإسلام لم يكن لها دورا بمعزل عن الحضارة العربية الإسلامية…بل إن ما قبل الإسلام كان أغلبه احتلال من أمم مختلفة… فهل هذا الدور الذي يريدون استعادته؟ ..التبعية والاحتلال؟؟..

أيضا ، إذا كان هؤلاء يعتقدون أن بعدنا الحضاري ورسالتنا متوسطية –إفريقية..فماذا عن الإمام مالك الذي كانوا يدافعون عن مذهبه ؟..فهل الإمام مالك ولد في تلمسان مثلا؟؟..أو الإمام أبو حنيفة ولد في تومبكتو؟ أم أن عبد الله بن إباض التميمي ولد في بني يزغن أو القرارة؟

في واقع الأمر ، وعلى عكس ما حاول أصحاب المقال تصويره ، الصراع القائم في الجزائر حول اللغة العربية والإسلام ليس صراعا حكرا على الجزائر وليس صراعا وليد اليوم، بل ما يحصل في الجزائر ما هو إلا حلقة من مجموعة حلقات مستنسخة من بعضها البعض بطرق مختلفة وبحسب خصوصيات كل منطقة ويعود تاريخها إلى محاولات عمرها يزيد عن القرن، لم تنته بتفكيك الدول الإسلامية إلى كيانات جغرافية وإسقاط مفهوم الخلافة الإسلامية، بل تواصل مسيرتها نحو التفكيك النفسي للمجتمعات عبر نزع كل عوامل وحدة المصير بينها، من لغة ودين وتاريخ، إلى خلق وإحياء نعرات أثنية ومذهبية ومحاولة العودة بذاكرة الشعوب إلى ما قبل الإسلام وتصوير الإسلام والتواجد العربي على أنه ليس إلا حلقة من حلقات الاستعمار الذي محى هوية عدد من الشعوب.

فالدعوات إلى فك الارتباط بالمشرق وبالإسلام وبالعربية لم تشهدها الجزائر فقط بل عاشتها مصر منذ بدايات القرن الماضي عبر من يعرفون بالتيار التنويري من أمثال سلامة موسى وقبلها أيضا إبان الحملة الفرنسية على مصر عبر المعلم يعقوب واللذان دعيا صراحة إلى التفرنج وإلحاق مصر بأوروبا، ثم انتقلت هذه الدعوة بدرجات متفاوتة إلى مثقفين ونخب فكرية أخرى وخاصة من خريجي السوربون. وحتى وإن لم تنجح هذه الدعوات إلا أنها أحدثت خللا كبيرا داخل المجتمعات والنخب وتقوقع كل مجتمع حول وطنيته الضيقة وأصبحت كل دولة أشبه بإقليم فاقد للسيادة.
أخيرا، تمنيت أن يقرأ أصحاب المقالة كلام الشخصيات المسيحية القبطية التالية.. وهي تتكلم بروح الانتماء والمصير المشترك…
يقول القس يوحنا قتله ” أوافق تماما على أن أكون مصريا مسيحيا، تحت حضارة إسلامية..بل أنا مسلم ثقافة مائة في المائة…أنا عضو في الحضارة الإسلامية..التي تجعل الدول الإسلامية تحارب لتحرير الأسير المسيحي…والتي تعلي قيمة الإنسان كخليفة عن الله في الأرض….فكلنا مسلمون حضارة وثقافة..وإنه يشرفني، وأفتخر أنني مسيحي عربي، أعيش في حضارة إسلامية، وفي بلد إسلامي..وأساهم وأبني مع جميع المواطنين، هذه الحضارة الرائعة..”

ويقول غالي شكري- ( في لحظ صدق مع الذات)..” على الشباب القبطي أن يدرك جيدا أن هذه الحضارة العربية الإسلامية هي حضارته الأساسية….لقد ورثت ما سبقها من حضارات، وأصبحت هي الانتماء الأساسي، إننا ننتمي ـ كعرب من مصر ـ إلى الإسلام الحضاري والثقافي، وبدون هذا الانتماء نصبح في ضياع مطلق.. وهذا الانتماء لا يتعارض مطلقًا مع العقيدة الدينية. بالعكس ـ لماذا؟ لأن الإسلام وحد العرب، وكان عاملاً توحيديًا للشعوب والقبائل والمذاهب والعقائد”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق