قضايا الأمـــة

الأم كما تمثلها لي خواطري … بقلم: أمال السائحي

لقد اخترت هذا العنوان لأثمن اعتقاداتي الجازمة أن الأم هي الركيزة الأساسية، بل هي عندي المجتمع بأسره، وليس معنى هذا أنني أبخس دور الأب..ولكن كما يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمة الله عليه – “: (إذا أردنا أن نكوِّن رجالاً، فعلينا أن نكوِّن أمهات ديّنات، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتعليم البنات تعليمًا دينيًا، وتربيّتهنّ تربية إسلامية، وإذا تركناهنّ على ما هنّ عليه من الجهل بالدين، فمحال أن نرجو منهن تكوين عظماء الرجال..وشرّ من تَرْكِهِنَّ جاهلاتٍ بالدين، إلقاؤهنّ حيث يُرَبَّيْنَ تربيةً تنفّرهنَّ من الدين، أو تحقِّره في أعينهنَّ، فيصبحن ممسوخات لا يلدن إلا مثلهنّ”.
فالأم إذن كما تمثلها لي الخواطر…كمثل أمي وأمك اللواتي لم يذهبن إلى المدارس ونخجل من أنفسنا حين نناديهن بالجيل الأمي (الذي لا يقرأ ولا يكتب)، وما يوجد أميا إلا نحن، لأنهن والله لسن بالأميات، لأن الأمهات اللواتي أنجبن جيل المهندس والدكتور، والطبيب المتخصص، والمحامي، لسن بالأميات، ولو كن كذلك لما أنجبن ما أنجبن ممن ذكرت، …نعم هن من امتلكن الشمس بيمينهن، والقمر بيسارهن وجدن بما حباهن الله من: نعمة الرحمة والإشفاق والحب الذي سقين به ابناءهن فكانوا كتلك الزهور، التي أينعت بستانا من ألوان شتى وبجودة جمالية فائقة…إني أتمثلك أيتها الأم المربية…أيتها الأم الحاضنة…
كتلك المعلمة:
التي استوعبت حقيقة الحرف والكلمة، فأبدعت في تقديمها بأجمل صورها، في الأدب والأخلاق، وفن التعامل مع الآخر، بالكلمة الطيبة الرقيقة، ونزهت لسانها عن الكلمة الخبيثة الجارحة…أتمثلك أيتها الأم، كتلك الطبيبة التي عرفت موطن الداء، وأحسنت تشخيصه، وسارعت إلى مداواته، وإن كان مما يجب استئصاله قامت بواجبها دون تردد، حتى لا يستفحل المرض في كامل الجسم، وحتى ينمو الجسم سليما، ولا يترك مجالا لتمكن العلل، وتفاقم المرض…
أتمثلك أيتها الأم المربية كتلك المهندسة المبدعة التي أنجزت ديكورا بديعا على قلوب أبنائها، تشكل من زخرفة فنية، ومن أثاث فاخر، ومن رسومات تتناغم مع إدراكات عقولهم الصغيرة مستعينة بأسمى العبارات التي من خلالها تشحن الأم عقول أبنائها بالحكمة والموعظة الحسنة…أتمثلك أيتها الأم المربية كبيت الحكمة الذي أعطى الأفكار، التي بددت الظلام، وألهمت الأنام، حتى شبت تلك العقول على كل جميل وكل فضيلة…أتمثلك أيتها الأم كتلك المزارعة التي عاهدت أرضها بأن لا تتركها إلا وهي تعطي أجود الثمار لوطنها، وأن تضاعف منتوجها حتى تسهم في تحرير وطنها من استيراد الغذاء من عدو أو صديق…
فأنا أتمثلك بكل بساطة هكذا، وأتمثل سبل تربيتك للجيل الصاعد …الذي نتوق أن لا نرى فيه الكسول، والعاق، والغاش في نفسه قبل غيره، والمحافظ على الوقت أينما حل وارتحل، والمتأنق في هندامه، وطريقة قص شعره، نريد أن لا نرى تلك المظاهر السلبية التي إن دلت على شيء، فإنها لا تدل إلا على انحطاط القيم والمثل والأخلاق بمجملها…إنك أيتها الأم سفينة النجاة لهذه الأمة، وأنت المنوطة بك آمالها، والمعلق بك رجاؤها، في مدافعة ما هاجمها من أدواء ومدافعة من أحاط بها من أعداء… فكوني عند حسن الظن، وجودي بإنقاذ هذا الوطن…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق