المستعربة جان ديرِيُّو منشئة أول مجلة عربية في الجزائر (1907) / أد. مولود عويمر

جامعة الجزائر 2
لم تكن المرأة الفرنسية بعيدة عن المشروع الثقافي التغريبي الذي كانت تعمل حكومة الاحتلال على فرضه على المجتمع الجزائري خلال مدة سيطرتها على البلاد وهيمنتها على العباد. فقد لعبت مجموعة من المثقفات الفرنسيات دورا بارزا في تجسيد هذا المشروع عن طريق الاقتراب من المرأة الجزائرية وفتح المدارس والورشات المهنية مخصصة للبنات الجزائريات، والتأثير عليهن من أجل التحرر من تعاليم الدين الإسلامي وفك قيود التقاليد والعادات.
وكانت جهودهن مدعمة من طرف إدارة الاحتلال ومشجعة من قبل بعض المستشرقين، وأذكر منهن على سبيل المثال: إيزابيل إيبرهارد (1877-1904)، وماري بوجيجا (1887-1933) وجان سال-ميلي (1900-1993) ومارغاريت غراف (1984-1905)…الخ.
أما المستعربة جان ديرِيُّو (Jeanne Desrayaux) فإنها لم تقم بهذا الدور بشكل تقليدي إذ اختارت الاقتراب من العلماء والأدباء الجزائريين، وأنشأت مجلة عربية أدبية في عام 1907، ودعتهم إلى المساهمة في تحرير صفحاتها من أجل نشر ثقافة العيْش بين الفرنسيين والجزائريين في أرض الجزائر، وتجديد مناهج تعليمهم، والتفتح على الحضارة المعاصرة.

مسار في سطور:
ولدت جان ديرِيُّو في عام 1886 بالأبيار في أعالي مدينة الجزائر. وكان والدها معلما وقد تأثرت به والتحقت هي كذلك بمدرسة المعلمين وتخرجت بتفوّق. ودرّست في بعض المدارس الابتدائية ثم واصلت دراستها العليا في كلية الآداب، وتخصصت في اللغة العربية. «وأحرزت الجائزة الأولى في آدابها في عام 1911 بين جميع طلبة مدرسة اللغات الشرقية في باريس».
ولم تكتف بتعلم اللغة العربية والتبحر في علومها وآدابها بل تعلمت أيضا فنون الخط العربي، وكانت تراسل نخبة من رجال الثقافة والأدب في العالم العربي «بخطها المغربي الجميل». كما كانت تكتب في الصحافة العربية في الجزائر بأسماء مستعارة: “جمانة رياض” و”فاطمة الزهراء”…
لقد نجحت في عام 1911 في مسابقة التبريز في اللغة العربية، فتصبح أول امرأة تنال هذه الشهادة في المستعمرات الفرنسية. وقد سمح لها هذا التتويج العلمي الجديد بالانتقال إلى التعليم الثانوي، فعملت أستاذة للغة العربية في ثانوية البنات بالجزائر بين 1911 و1914.
كانت جان ديرِيُّو مخلصة لمهنتها ونالت شهرة في وسط المعلمين والمربين والتلاميذ، وقد أحدث رحيلها المبكر في 7 نوفمبر 1914 بالجزائر أثرا بالغا في نفوسهم، وقد نقلت جريدة “ليكو دا لجي” (صدى الجزائر) الأجواء الحزينة التي رافقت الخبر عن وفاتها، وأشادت بأعمالها التربوية ونشاطاتها الثقافية.

رحلتها إلى مصر وانبهارها بالحركة الأدبية النسوية:
قامت جان ديرِيُّو برحلة إلى مصر في عام 1906 رفقة والدها. وزارت الإسكندرية ونزلت على صالون الكاتبة والشاعرة ألكسندره أفرينو (1872-1926). «وفي صالونها الأدبي كان يجتمع صفوة الأدباء المقيمين منهم والزائرين.. وزاد على اشتهار هذا المنتدى ما كانت عليه ألكسندره من ثقافة عالية، وجمال باهر، وإلمام باللغات، ورئاستها لتحرير مجلة أدبية»، وهي “أنيس الجليس”. وكانت أدبية ونسائية شهرية، صدر عددها الأول في 31 يناير 1898. وقد استمرت هذه المجلة عدة سنوات.
وانتقلت ديرِيُّو بعد ذلك إلى القاهرة واطلعت على مدارس البنات المصرية ومناهج التعليم فيها. كما زارت الأديبة اللبنانية المقيمة في مصر لبيبة هاشم (1880-1947)، وأعجبت بمجلتها “فتاة الشرق” التي كانت آنذاك من أشهر المجلات النسوية في العالم العربي. وقد صدر عددها الأول في 15 أكتوبر 1906 وتوقفت في سنة 1939.
وقد كتبت تقريرا مفصلا عن هذه الرحلة وواقع تعليم البنات في مصر، ووجهته إلى الوالي العام بالجزائر شارل جونار (1857-1927) طالبة منه الاهتمام بتعليم البنت الجزائرية، وترقية المرأة الجزائرية لتساهم في تحقيق “المهمة الحضارية” المزعومة للمستعمر الفرنسي في هذه البلاد.

تأسيس أول مجلة عربية في الجزائر:
لقد تأثرت جان ديرِيُّو بالحراك الأدبي الذي شاهدته في رحلتها المصرية وأعجبت كثيرا بأعمال ألكسندره أفرينو ولبيبة هاشم. وغيرهما من النساء الرائدات. وهذه الظاهرة جديرة بالدراسة، إذ أن التأثير الثقافي في القرن العشرين كان يتجه من الغرب إلى الشرق، وليس العكس.
لقد أرادت جان ديرِيُّو أن تستقل بالعمل الصحفي اقتداء بالنساء اللائي تعرفت عليهن في مصر وأنشأن المجلات، ولا تكتف فقط بالكتابة في الصحافة كما كانت تفعل من قبل بمشاركتها بأسماء مستعارة في تحرير جريدة “الأخبار” التي كانت تكتب فيها أيضا الكاتبة الشهيرة إيزاببل ايبرهارد.
فإذا كانت المصريات واللبنانيات قادرات على إنشاء أكثر من 10 مجلات وتسير أعمالها بنجاح، فكان أولى بالمرأة الفرنسية المتقدمة أن تبادر إلى مثل هذا العمل الأدبي الذي سيكون أكثر نضجا وأوسع انتشارا. وسيرا على خطى التجارب المشرقية السابقة، قررت جان ديرِيُّو إصدار مجلة أدبية عنوانها: “الإحياء”. وهي أول مجلة عربية تصدر في الجزائر.
وكان العنوان المختار لهذه المجلة مدروسا بدقة، فمفردة “الإحياء” كان لها انتشار واسع في الأدبيات العربية والإسلامية المعاصرة، وتستقطب بسهولة أنظار الناس. وقد جاءت “الإحياء” لتفتح صفحاتها للعلماء والأدباء الجزائريين المتأثرين في بداية القرن العشرين بحركة النهضة القائمة في المشرق العربي لتبليغ أفكارهم الجديدة والتعبير عن آرائهم الحرة.
كانت صاحبة المجلة تريد أن تساهم عن طريق هذه الوسيلة الإعلامية الفعالة في إحياء التراث العربي والدعوة إلى التفتح على الحضارة الغربية، والاستفادة منها دون الاندماج الكامل للمسلمين في ثقافتها أو رفضها كلية.
إن ديرِيُّو كانت تدرك أن رياح التغيير والنهضة العربية لن تستطيع أية قوة سياسية أو عسكرية أن تتصدى لها وتوقفها عن الزحف، وكان من الأفضل أن تتعامل معها سلطة الاحتلال بالحكمة، وتبادر إلى توجيه مساراتها حتى لا تؤثر على الجزائريين تأثيرا خطيرا يحملهم على المطالبة بالحرية والاستقلال والسيادة.
وهكذا وجدنا المجلة تتجه إلى قرائها الجزائريين وتحثهم على التمسك بأصالتهم والإقبال على التحصيل العلمي وتعلم اللغة العربية، والابتعاد عن الدين المغشوش، والابتعاد عن السياسة والاستفادة من محاسن الحضارة المعاصرة: «أيها المسلمون حافظوا على ع_وائدكم المحمدية، وشعائركم الدينية لباسا وديانة ولا تتبعوا الأوروبيين إلا فيما هو موافق لدينكم وصالح لأحوالكم الوقتية».
وقد دفع هذا التوجه الأصيل للمجلة أحد الباحثين إلى القول بأن الإحياء كانت متأثرة بأفكار محمد عبده الإصلاحية، وهذا كلام فيه مبالغة، وإن كان لا شك أن بعض كُتابها متأثرون بهذا المصلح الأزهري الشهير، لكن ليس إلى درجة تعميم هذا التأثير العبدوي على الخط الافتتاحي للمجلة.

قضايا وآراء وأخبار:
ظهر العدد الأول من مجلة “الإحياء” في 14 فبراير 1907. وهي تصدر مرتين في الشهر، وتحتوي على 8 صفحات، وتباع بـ 15 سنتيما. ويقع مقرها في 5 شارع لالما بمدينة الجزائرـ، وتطبع في مطبعة فونتانا الشرقية.
كانت جان ديرِيُّو لا تقتصر عملها على إدارة مجلتها، بل كانت تساهم أيضا بقلمها، وتشرف على صفحة “صدى العالم الإسلامي”. وكان ممن أسهم في تحرير هذه المجلة نخبة من خريجي المدارس العربية (الكبرى) الذين تخصصوا في الآداب العربية والترجمة والقضاء الإسلامي، وأذكر منهم: الكاتب علواني والشاعر حاج صالح.
لم تكن المجلة موجهة إلى المرأة وحدها كالمجلات التي أشرنا إليها سابقا، و لم تهتم فقط بقضاياها وتعالج همومها، بل كانت “الإحياء” مجلة موجهة إلى كل شرائح المجتمع الجزائري، وتعنى بالأدب العربي وتنمية الأخلاق وأخبار العالم العربي والإسلامي.
نشرت “الإحياء” في عددها الأول مجموعة من المقالات الأدبية والأخبار عن المسلمين في المغرب وإيران، ومشروع سكة حديد الحجاز، والتعريف بمجلة “فتاة الشرق” للسيدة لبيبة هاشم، وحفريات الجمعية الأثرية الجزائرية. ونشرت في العدد الثاني عن أهمية التربية والتعليم، وأخبار المسلمين في روسيا وليبيا.
ولا تكتف المجلة بالمقالات والأخبار والطرائف والأشعار، إذ كانت تنشر أيضا بعض الصوّر على غرار كل المجلات الثقافية، لذلك نشرت في عددها الثاني صورة لشاه إيران الجديد، محمد علي شاه قاجار (1872-1925).
نهاية مجلة الإحياء:
رحب أهل الفكر والأدب بصدور “الإحياء” ونالت قبولا حسنا في الوسط الثقافي الجزائري، وأشاد بها المستشرق المعروف لوسيان بوفا (1872-1942) محرّر “مجلة العالم الإسلامي” الفرنسية، وعرّف القُراء في العالم بمحتوياتها، وحثهم على الاشتراك فيها.
كما أشاد بها بول إفري محرر جريدة “بريد تلمسان” وقرضها تقريظا حسنا، وأوصى كذلك بتوزيعها في المغرب الأقصى. لكن كل جهود الدعم والتشجيع لم تجذب لها سوا 200 مشتركا، ولم تصونها من التوقف عن الصدور والاستسلام للضائقة المالية، ومنافسة مجلة عربية أخرى، وهي “كوكب إفريقيا”.
لقد صدرت هذه المجلة في 17 ماي 1907 واستمرت سبع سنوات بفضل دعم الولاية العامة لها، وجدية مديرها الشيخ محمود كحول (1870-1936) الذي استقطب أبرز الأقلام الأدبية والأسماء العلمية الموجودة آنذاك في البلاد، أمثال: الشيخ عبد القادر المجاوي (1848-1914)، والشيخ أبو القاسم الديسي (1852-1943)، والشيخ عبد الحليم بن سماية (1866-1933)، والشيخ المولود بن الموهوب (1866-1939) …الخ.
وهكذا توقفت “الإحياء” في منتصف عامها الأول، ولم تعمر إلا 3 أشهر حيث صدر عددها السابع والأخير في 14 ماي 1907. ولعل من المفيد أن أذكر هنا أن أعدادها السبعة هي محفوظة اليوم في المكتبة الوطنية بباريس.
ونأمل أن نطلع في المستقبل على الأعداد التي لم نقرأها بعد حتى نثري هذا المقال، ونتوسع في تحليل مقالاتها، ونتعمّق في دراسة مضامينها ونحدد حجم تأثيراتها على النخبة الجزائرية، ومدى تغلغل أفكارها في المجتمع الجزائري.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.