كلمة الرئيس

تصاعد الألم والأنين من واحة “تين-زواتين”

بقلم الدكتور عبد الرزاق قسوم

أما آن لضمائرنا أن تصحو من غفوتها، ولعقولنا أن تفيق من غفلتها؟

ألم يأن لآذاننا، أن تكف عن تصامم سماع أنين المعذبين، وصيحات المستضعفين، وآهات المهمشين في أرضهم الطيبة، والمحرومين؟

لقد تكاثرت النصال على جسم جزائرنا الحبيبة، التي تأتيها السهام من كل جانب، حتى لتكاد تتكسر النصال على النصال، كما يقول أبو الطيب المتنبي.

فبعد تيزي وزو وبجاية، وعين صالح وغرداية، هاهي ورقلة وتين زواتين في النهاية، وكلها تتخذ منافذ وذرائع لزرع الفتنة والوشاية، واستغلال معاناة المجتمع، والزج بالإنسان في أتون المعركة التي ليست لها نهاية.

إن الذين يحبون أن تشيع الفتنة في وطننا، يتخذون من معاناة شعبنا ذريعة لتقسيمنا، وعاملا لتشويهنا، وحجة لتأليبنا، ولقد وجدوا في كل منطقة عواطف ظمأى فاستغلوها.

لعب المتربصون بوحدتنا، ورقة المذهبية في جزء عزيز من وطننا، منطقة ميزاب، فانكشفت لعبتهم، وخسئت مؤامرتهم، بعدما دفعنا ثمنا باهضا لمكيدتهم.

واستغل المجرمون من الخونة، وأعداء الجزائر، بعض عواطف المراهقين في منطقة زواوة، فاستثمروا في عقول تتميز بالسذاجة والطراوة، فألهبوا فيها مشاعر العصبية، والجهوية، ليلقوا بها في أتون الانفصالية، فما ربحت تجارتهم، وما كانوا مهتدين.

ورفع الحاقدون على صمودنا، كلمة حق أريد بها باطل في منطقة عين صالح، حينما عمدوا إلى تحريك قضية الغاز الصخري، بحجة حماية الإنسان، وأين كانوا –لا كانوا- عندما فجرت قنابل العار والانفجار، في تخوم الهقار وأدرار؟ لقد انكشفت هنا أيضا مكيدتهم، وخرج شعبنا في هذه المنطقة الصالحة، منطقة عين صالح أكثر وطنية، وأكثر تشبثا بوحدته وعروبته وإسلامه.

وأخيرا ها هو العدو، يجرب ورقته الأخيرة، في ورقلة، وتيميمون، وتين زواتين، ليتاجر في معاناة المعذبين والمحرومين، والمستضعفين، فتصدى له الطيبون المخلصون من أبناء وطننا، وردوا كيده في نحره.

فإذا كنا، نقر بأن العدو المتربص بالجزائر، قد تسلل –إلينا- من بوابات الضعف، ونوافذ الهشاشة، ألسنا نحن بأنظمتنا الفاسدة، وتنميتنا الفاشلة، وهياكلنا الكاسدة، ألسنا نحن الذين مكنا للعدو في صفوفنا، فقد وطأنا له أكناف البيت، ومكنا له من الحصول على الزيت، وفتحنا  له العقول، والحقول، حتى يتمكن من بلوغ هذا الصّيت؟

فلو أخذنا كمثال منطقة زواوة الخالدة، التي أنجبت العلماء، والصلحاء، والشهداء،  والعقلاء، فإننا واجدون بأن شباب هذه المنطقة كانوا حماة الإسلام والعربية، ضد كل محاولات العدو الغاشم، وإنني لأذكر أنني عندما دُعيت إلى قيادة الولاية الثالثة من طرف الكومندان محمد الطيب صديقي، رحمه الله، الذي كان نائبا لمحمد ولد الحاج قائد الولاية الثالثة رحمه الله، وذلك بضعة أشهر قبل الاستفتاء على الاستقلال، أذكر أنني قضيت يوما كاملا صحبة الصديق العزيز، الشيخ صالح صالح رحمه الله، مع قيادة الأركان، ومما قاله لنا يومها الكومندان الشيخ محمد الطيب صديقي، مشيرا إلى سلاحه، قال: “نحن لازلنا على استعداد لمواصلة الكفاح من أجل المبادئ التي أعلنا الجهاد من أجلها، فإن لاحظنا أي إخلال بهذه المبادئ، فإننا سنواصل الكفاح بنفس العزيمة والإرادة”.

ذلك هو إذن نموذج الإنسان الزواوي كما جسده عميروش، ولالا فاطمة نسومر، ومحمدي السعيد، وكريم بلقاسم، وعبان رمضان، ومحمد ولد الحاج، ومحمد الطيب صديقي، وغيرهم، فلئن خلف من بعدهم خلف، أضاعوا العهود، وتنكروا للجدود، فإن المسؤولية تقع على منظومتنا السياسية، والتربوية، والثقافية، التي لم تنجح في بناء الجيل المحصن بحضارته، المؤمن بوطنيته، والمعتز بهويته، على أن ما يطفو على السطح لا يمثل القاعدة، فالأغلبية الزواوية لا تزال على العهد، وخير دليل على ذلك، ما تقوم به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في تيزي وزو، وبجاية، والبويرة، وباقي جبال وقرى زواوة.

وإن ذهبنا إلى منطقة وادي ميزاب، فإننا نجد لونا آخر من المجتمع الإسلامي الصالح، دينيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا.

فهذه المنطقة هي التي أنجبت للإسلام والجزائر، نماذج من العلماء، والأدباء، والصلحاء، من أمثال الشيخ بيوض، والشيخ عدون شريفي، والشيخ أبي اليقظان، والشاعر مفدي زكريا، والشاعر صالح خرفي، والشاعر محمد ناصر، وغيرهم كثير من الباحثين والمؤرخين، شبابا، وشيوخا، وكهولا.

فإذا لوحظ بعض الانحراف لدى بعض الشباب الإباضيين الذين ذهبوا ضحية الأحابيل الحزبية، فإن المسؤولية تتحملها أيضا منظومتنا التي أهملت أحيانا المنطقة، أو لم توفر لشبابها وسائل الحصانة والمناعة الكافية.

إن نموذجي زواوة وميزاب، يمكن أن ينطبقا على باقي المناطق التي انتفضت، ضد التهميش، والإقصاء، والبطالة، وسوء التنمية.

فيجب أن تخجل الجزائر من نفسها عندما ترى شبابا من الجنوب في ريعان شبابه، يعاني الحاجة، والحرمان، بسبب البطالة، وسوء التنمية، وهو يعيش فوق أرض تعج بالخيرات التي يصب نهرها خارج أوديتها.

ومن العجائب والعجائب جمة          قرب الدواء وما إليه وصول

كالعيس في البيداء يقتلها الظما          والماء فوق ظهورها محمول

فلا نلوم الشباب المنتفض –إذن- ولكن نلوم أنفسنا

إن “تين زواتين” التي هي بوابة حدودنا الجنوبية، والتي تبعد 500 كلم على تمنراست، إن هذه الواحة تعاني العزلة الكاملة بسبب انعدام شبكة الطرقات، وانغلاق الحدود بالأسلاك، وفقدان المؤسسات المؤتمنة على التنمية،والبنوك، والمقاولات، والعزلة بسبب غلاء المواصلات.

فإذا انتفض أبناؤها ضد الحقرة، والعزلة، والبطالة، والحرمان، وصفوا بأبشع الأوصاف.

لا تجد أبناء أسرة ينعمون في أسرتهم بالسعادة والهناء، ويتوقون إلى الذهاب إلى أسرة أخرى.

علينا –إذن- أن نصحو من غفلتنا فنعيد قراءة المشهد الوطني، بتأمل وواقعية، ووطنية صحيحة، إن ذلك وحده هو صمام الأمان لإنقاذ مناطقنا، وصيانة وحدتنا، واستعادة شبابنا ومجتمعنا، وإن لدينا كل الوسائل والإمكانيات التي تمكننا من ذلك، بشرط واحد، أن تسند المسؤوليات إلى الكفاءات المستحقة، وأن نقوم بالمتابعة، لتحقيق إنجاز المشاريع، والبداية تكون بالعناية بالعقل، ثم بوسائل النقل، ثم بزرع الحقل، ففي ذلك حفاظ على العدل، والوصل، فنقضي على كل أنواع الألم والأنين سواء في “تين زواتين” أو لدى كل فئات البنات والبنين.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق