كلمة الرئيس

متحف ” آيا صوفيا”، و “مسجد فوبيا”

بقلم الدكتور عبد الرزاق قسوم

بآيا صوفيا، باسطنبول، بتركيا المسلمة، دوّى صوت الأذان، مرددا ” الله أكبر” فأطرب قلوب المؤمنين، والمنصفين، والطيّبين، وأغضب نفوس الكافرين، والملحدين، والمذبذبين.
  فبقدر ما تعالت في السماء، وامتدت في الفضاء، أصوات التهليل والتكبير، حمدا وتعظيما للإله القدير، تعالت في المقابل أصوات نشاز، هي أصوات النفير والتحذير، عدة من الإسلاموفوبيين، والذين في قلوبهم مرض، بدء بقداسة البابا في الفاتيكان رمز التسامح بين الأديان، وحامل لواء الإيمان، إلى المنظمات، والبلدان الكافرة بحقوق الإنسان، والمثيرة للجدل والشنآن.
  سبحانك اللهم، تجليت على قوم بنعمة الإيمان الصحيح، فهديتهم إلى البيان الفصيح، وكشفت الحجب، عن قوم مفسدين فأبانوا عن حقدهم القبيح، وكشفوا عن عدائهم الصريح.
  تبا لهم، أكل هذه الحملة النكراء، بسبب ممارسة السيادة، واستخدام حق القيادة، والتمسك بحق الإنسان في العبادة؟ وأين كانوا – لا كانوا- عندما ديست حقوق الأديان في مختلف البلدان، في الجزائر، وفي الأندلس، وفي اليونان، وفي بورما، وفي الصين والهند، وغيرها، حيث خولت مساجد، في مجتمع يدين بالإسلام، إلى كنائس، وكاتدرائيات، فما حرّكوا ساكنا، ولا أدانوا كائنا؟
  فهل أتت، تركيا المسلمة، جرما، عندما أنصفت بناية، وطبقت عليها حق الرعاية، وأعادتها إلى حيث كانت في البداية؟ فما يسمى بمتحف “أيا صوفيا” في اسطنبول، عاد إلى أصله، فصَحح عدوانا وقع عليه، وأزال اغتصابا مورس بين جنبيه، لقد كان المتحف في أصله مسجدا، اشتراه بماله الخاص، السلطان محمد الفاتح، بعقود تشهد على ذلك، ولكن العلمانية الظالمة المستبدة، في تركيا، تدخلت بتعسف فحولته عن وجهه المليح، إلى معلم سياحي قبيح، فوقع له –تماما-  ما وقع لمسجد كتشاوة في الجزائر، الذي شيد في العهد التركي، ولكن الاحتلال الفرنسي سطا عليه في وضح النهار، واحدث القتل والتشريد في المعتصمين به، اللائذين بمحرابه، وحوّله بتعسف من مسجد فيه يوحد الله، إلى كاتدرائية، تمارس ديانة التثليث، التي تدين بها الأقلية المستوطنة، على حساب ديانة التوحيد التي هي ديانة الأغلبية الأصلية، ويومها لم يسجل أي احتجاج لكن كتب للحق أن ينتصر بعد استعادة السيادة الوطنية، وإعادة بناء الدولة الجزائرية، وخلدت أول جمعة فيه بعد الاستقلال، بإمامه القائد الروحي للأمة آنذاك، عالم الجزائر، محمد البشير الإبراهيمي.
  نحن إذن، أمام الكيل بعدة مكاييل، مكيال الشر والباطل، الذي طبق على الأندلس وعلى البوسنة، وعلى الهند، وعلى الصين، وعلى بورما، فما تحركت اليونسكو، ولا نطق البابا، ولا ثارت طوابير العمالة والنذالة، التي تتعالى أصواتها النشاز منددة، بممارسة تركيا لسيادتها وللاستجابة لمطالب جماهيرها، وإحقاق حق من حقوقها، في إعادة الحق إلى نصابه، والمسجد إلى محرابه.
  إن الغرابة، لا تكمن، في ردود الفعل التي ظهرت من طرف المتعصبين من المسيحيين ومن المتطرفين الإسلاموفوبيين، فتلك “شنشنة أعرفها من أخزم” ولكن الغرابة جاءت من بعض المجتمعات الإسلامية التي مزجت السياسة بالدين، ووقفت إلى جانب المتطرفين، والمتعصبين، من إرهابيي الفكر، ومحترفي المكر.
  فهل يعقل أن يتدخل البعض، فيحشروا أنوفهم في ممارسة دولة ما، لحقها في السيادة، بأن تنصف مظلوما، وتحقق معلوما، وتصدر مرسوما؟
  تلك هي إذن قصة الظالمين مع المظلومين، وتأليب دعاة المنكر، على دعاة الآمرين بالمعروف.
  إننا يشهد الله، لسنا من السائرين في فلك النظام التركي، وان دعينا إلى إصدار حكم بحقه، نقول، بأنه رمز لحاكم صالح لشعبه، ولقومه، ساسهم بالحكمة، وأخرجهم من التخلف، ورفع مكانتهم إلى مصاف البلدان النامية، فإذا أضاف إلى مكارمه السياسية، هذه المكرمة الدينية، وهي أن  طبق مبدأ “الوقف على نية الواقف”، فإننا لا نملك، إلا أن نشيد بهذه المكرمة، وندع الجانب السياسي للمؤرخين النزهاء، الموضوعيين، المنصفين.
  وإذن، فقد جاءت إعادة مسجد أيا صوفيا، إلى أصلة الأول، وهو أن يعود كما كان مسجدا للعبادة، جاءت هذه القضية لتكشف حقد الحاقدين من غير المسلمين، وعلل المفسدين، والذين في قلوبهم مرض من أهل ملتنا، والإنكار على رئيس تركيا أن يحق الحق، ويبطل الباطل.
  إننا نبرأ إلى الله، مما يفعله بعض المرضى من بني ملتنا، الذين يحزنهم أن يتعبد الناس، أو أن يضربوا الأخماس في الأسداس، لأنهم مسكونون بهاجس الوسواس الخناس.
  كما نبرأ إلى الحق الإنساني العام، مما يفعله بعض سماسرة الحقوق، والسائرين وفق ما يمليه المال الفاسد والصندوق.
  وما يثلج الصدر، ويطمئن السلطان محمد الفاتح في القبر، أن أمله قد تحقق ولو بعد الصمت الطويل للآذان، وأن أبواب المسجد قد فتحت من جديد في وجود المؤمنين الصادقين من أعراق الأصول والمعادن.
  وكما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿..فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾[سورة الرعد، الآية 17]
  وختاما، فقد قالت تركيا المسلمة الأصيلة كلمتها الأمينة والرزينة، في الإعلان وبصوت الأذان، وسماع الآذان، أن شعبها مسلم، عريق الإيمان وإن حاول البعض تشويه إسلامه، تشهد على ذلك، مواقفة مع القدس ومع فلسطين، ومع المضطهدين من العالمين، وسيكتب الشعب التركي المسلم، بهذا الإنجاز العظيم، عودة آيا صوفيا إلى أصله المسجدي، سيكتب بمداد من الذهب، في صفحة التاريخ هذا التحول من العلمانية إلى الإسلام، وإن البقاء لن يكون إلا للأفضل، والأصلح.
أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق