كلمة الرئيس

شعيرة العيد، وجائحة “كوفيد”

بقلم الدكتور عبد الرزاق قسوم

ما بال جماهيرنا الإسلامية في هذا العيد غاب تسبيحها وتكبيرها، وخفتت تلبيتها، واضطرب تعبيرها؟
  وما بال قطيع الأغنام والأنعام -في هذا العيد- اختفى ثغاؤها، وقلّت لحومها ودماؤها، ورخص –في السوق- بيعها وشراؤها؟
وما للبيوت الجزائرية أقفرت من الزغاريد والمشاعر، بعد أن حيل بينها وبين أداء الشعائر؟
  لقد تغير الزمان، واضطرب المكان، وأصيب الإنسان بالهيجان، لما يعانيه من جائحة الأبدان، التي أصابت كل البلدان فقدنا طعم شعيرة العيد، بسبب وباء “كوفيد”، والناس في خوف شديد من هذا الوباء العنيد، الذي يحصد الأرواح شر حصيد.
  ماذا دهانا حتى أحاطت بنا هذه النوازل، وحكم علينا بالإقامة في المنازل، ودبّ الداء في كل أجزاء البدن، وفي كل المفاصل؟
هل لجرم اقترفناه، أو لذنب ارتكبناه، أو فرض ضيعناه، أو منكر جنيناه؟
  كل ذلك وأكثر، فقد كفر الإنسان بنعمة الخالق، فبلغ من العتو والعلو في الأرض، ما  قلب السنن، وأشاع الفتن، فتسببت  في كل أنواع المحن ما ظهر منها وما بطن.
  فهذه الدماء المسفوكة بغير حق، وهذه الحروب المحبوكة في كل أجزاء الأرض، حيث القوي يستبد بالضعيف، وحيث المستبد يزرع كل أنواع الفسق، والظلم و الحيف.
  وهذا الاستبداد الذي يزرع الفساد، ويطغى في البلاد، ويقتلع الأصول والأوتاد، إن ذلك كله، هو نذير شؤم، لما حل بالعباد من بلاء ومن اضطهاد.
  فهل أتاكم حديث هذه الرقعة الغالية من العالم، رقعة الأرض الإسلامية التي يفترض أن تضرب المثل في حسن السلوك والاستقامة، لما حباها الله به، من خير السماء، وكنوز الأرض المستدامة؟.
  غير أن الإنسان المسلم، في هذه الرقعة الإسلامية، قد علا في الأرض، وعاث فسادا، فجعل أهل الأرض شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم، ويستحيى نساءهم.
  لذلك سلط الله علينا، كما فعل بقوم ظلموا قبلنا، سلط علينا كل أنواع الآفات بدء بالفيروسات، وانتهاء بجرائم العصابات.
  فهذا الفيروس، الممثل في “كوفيد 19” هو نوع آخر من العقاب، لا يرى بالعين المجردة، وعجز الإنسان بمحابره ومخابره عن وقاية نفسه منه، “فضعف الطالب والمطلوب”، ولا يظلم ربك أحدا.
  إن من مظاهر النقمة والعقاب التي سلطت علينا، الجوع والخوف، وهي من نتائج القرية الظالمة، وسلط علينا الله الحرمان من الأمن والطمأنينة، فاستبد بنا الاضطراب النفسي، الذي مبعثه الشك في كل ما حولنا، كما أغلقت في وجوهنا أماكن العبادة، وسلطت علينا أبشع أنواع القيادة، وأصبنا بأسوأ مس، وهو المس في السيادة والعبادة.
  مأساة الإنسان عموما اليوم، والإنسان المسلم على الخصوص، أن اليأس قد استبد به، والدنيا قد أظلمت في عينيه، فدب الاضطراب إلى الحياة في جميع الميادين، السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والدينية، والعائلية، “وهل هناك أسوأ من هذا البلاء والابتلاء”.
  لهذه العوامل كلها يأتي العيد اليوم في ظل كوفيد، وقد ابيض ليله، واسود نهاره، لأن شمسه قد كُوّرت، ونجومه قد انكدرت، لم تجد كل الجهود التي يبذلها الجيش الأبيض، من الأطباء والممرضين، في البحث عن الناجع من الدواء، وتحطمت جهود المخابر العلمية العالمية، في إيجاد البلسم الشافي الذي ينقذ الإنسان والإنسانية مما هي فيه.
  لقد جربت كل أسباب العلاج البدني فما نفعت، فهلا عززنا ذلك كله بالسبب الروحي، وهو إعادة ربط الصلة بالسماء، وذلك بالقضاء على الجاهلية الجهلاء، والعودة إلى تعزيز الدواء بالدعاء، والوقاية بالإخاء، مع اتخاذ كل ما هو واق، من الإجراء.
  آن الأوان –إذن- أن نستخلص الدروس من مصيبة الموت، وكفى بالموت واعظا، ألم يأن لحكامنا، أن يعودوا إلى جادة الصواب فيضعوا حدا لسفك الدماء، ووقف الفتن بين الإخوة الأشقاء، والحكم بين الناس بقانون العدل، كما نص عليه قانون السماء؟
  ألم يأن للشعوب، أن تعي حقيقة كونها في الوجود، فتنشر الحب، والصفاء، في كل الأرجاء، حتى يعم الرخاء، ويسود الإخاء، ويغيب عن حياتنا هذا الوباء والبلاء، والابتلاء؟.
  إنه ليحز في قلوبنا، ويقض مضاجعنا أن يحل العيد ونحن محرومون من الصلاة في المساجد، وممنوعون من التهليل والتكبير، ومن حضور الولائم، وتوديع الميت الوداع الأخير، ومن التجمع العائلي، ومن التزاور والتحاور، والتشاور.
ألا ليت يوم العيد لا كان إنه            يجدد للمحزون حزنا فيجزع
فيا عيد! 
لئن عدت علينا هذه السنة بكل أنواع الويل و الثبور، ومظاهر الاندحار والانكسار،
  فإن الأمل يحدونا في أننا بعون الله، وبما سنستخلصه من دروس وعبر، سوف تعود علينا –يا عيد- وقد طوينا الصفحة المجللة بالسواد، والحداد، وعواقب الأيام الشداد، لنفتح صفحة جديدة هي صفحة الشفاء من الداء، وتجاوز محنة الوباء، واستقبال المناسبات  بكل الآمال والرجاء.
  على أن هذا كله لن يتحقق فقط بمجرد الدعاء، وإنما بالإيمان الصحيح، والتوجه إلى الله بالفعل الصريح، ومضاعفة الجهود في البحث العلمي لاكتشاف الدواء الناجع  البدني والروحي، والعقلي، لنتغلب على الداء، فيعم الهناء، والصفاء، والشفاء، ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾[سورة الروم، الآية: 05،04].
﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾[سورة آل عمران، الآية: 139].
فعيد سعيد في يوم جديد بعد أن نكون قد تخلصنا من وباء كوفيد.
أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق