البصائرمقالات مختارة

قراءة في كتاب: نسب آل البيت بالمغرب الاسلامي وشجرة آل عمران للدكتور عمار طالبي

بقلم: الأستاذ العربي فرحاتي

أصدر الدكتور “عمار طالبي العمراني الحسيني” مؤخرا كتيب بعنوان “نسب آل البيت بالمغرب الاسلامي وشجرة آل عمران

ولعلّ إصداره الكتيب بهذا الاسم الرباعي تيمنا منه بسيدنا الحسين بن علي كرم وجهه وليؤكد نسبه ونسب عرشه إلى

آل البيت. واختياره لهذا العنوان للكتيب يكون اختيارا مقصودا، يندرج ضمن اهتماماته بالثقافة الاسلامية ويعكس التوجه الاسلامي المعروف عن المؤلف.. فهو من الرعيل الأول لأساتذة الفلسفة في جامعة الجزائر وباحث في الفكر الإسلامي. وقد كتب عن الحضارة الإسلامية وألف حول فكر مالك بن نبي وأصدر مجلدات حول حياة وآثار عبد الحميد بن باديس وجمعية العلماء المسلمين وحقق مخطوطات اسلامية كثيرة.. وهذا الكتيب الذي بين أيدينا مع أنه صغير في حجمه وعدد صفحاته(٧٩ صفحة) بما فيها الملاحق والصور. إلاّ أنه غني في معلوماته ووثائقه ومصادره حول نسب آل البيت في المغرب وأولاد عمران.فلا يستغنى عنه القارئ أو الباحث في الثقافة والتاريخ والأنساب.. سيما وأن

المؤلف كتبه بلغة أكاديمية رصينة تثير فضول القارئ لقراءته.. وتثير الباحث لمزيد من البحث.. وإذا كان لي من قول في

أهمية هذا الكتيب فأقول بداية أن مثل هذه الدراسات حول الاثنيات العرقية والثقافية شحيحة جدا في بلادنا ولم تحظ بما

يكفي من الدراسات المحلية بعد الاستقلال، وما أنجز من دراسات حول الثقافات المناطقية المحلية اعتمد فيها على دراسات المستشرقين في ما قبل وأثناء الاحتلال.. ولعل تغييب علم الانساب من الجامعات وهيمنة الأحادية الثقافية والسياسية ضمن توجه ايديولوجي معين في تاريخ ما بعد الاستقلال هو ما أدى كذلك إلى عدم اهتمام النخب بهذا الجانب ولا يشجع الدراسات المناطقية ومظهرها التنوعوي في الجزائر، إلا بصفة محتشمة، بحجة الخوف من إثارة النعرات العرقية وخطر على الوحدة الوطنية. وبالتالي أعتقد هذه المبادرة هي من بين المبادرات القليلة الشجاعة التي تطرقت إلى هذا الميدان.. ثم أنها ثانية دراسة تميط اللثام عن الكنوز الثقافية للمنطقة وتعرف جيل بني عمران -القراء منهم والباحثين – بتراث المنطقة وبعلمائها وإنجازاتهم العلمية.. فليس غريبا عن قامة مثل “عمار طالبي” أن يصدر بشجاعة مثل هذا الكتيب عن عرشه بني عمران القاطنين ببلدية جلال ولاية خنشلة، ويضعه ضمن مشاريعه في التأثيل الاسلامي المستمر للثقافة والفكر، وهو ما جعل الكتيب إضافة ثقافية متميزة ليس لأولاد عمران وحدهم، بل للثقافة الوطنية عموما من حيث هي مبادرة لفتح الكثير من مغلقات أصول الاثنيات العرقية والثقافية وما يثار حولها من جدل..

وكما يوحي عنوانه وفهرسة مواضيعه أن الكتيب بحث قسمين؛ نسب آل البيت في المغرب الإسلامي.. وشجرة آل عمران، وهو ما أوضحه المؤلف في مقدمة الكتيب، حيث أكد أن الغرض من تأليفه هو بحث وصول آل البيت إلى المغرب الإسلامي وانتشار سلالتهم في ربوعه. وبحث نسب أولاد عمران كإثنية ثقافية في منطقة ششار، واعتمد في بحثه للنسبين على الروايات وما توفر لديه من الوثائق، وفي ما يلي اطلال سريعة على مضامين القسمين.

أولا: ففي القسم الأول اهتم المؤلف بنسب إدريس الاكبر (ت ١٧٥ هجري ) الذي يعود كما ذهب إلى ذلك جل المؤرخين إلى علي ابن أبي طالب كرم وجهه واهتم بتأريخ قدومه (١٧٢ هجري) إلى المغرب وتأسيسه لدولة الأدارسة

ومدينة فاس العلمية، وفتحه لكثير من الأقاليم، واصفا رحلته من بداية فراره بعد معركة فخ إلى مصر ثم القيروان فتلمسان فإلى بلاد المغرب، حيث بويع من عدة قبائل البربر وذاع صيته.. وبسبب ذلك كما ذكر المؤلف قتل (١٧٥ هجري). مسموما خشية على سلطان الخليفة العباسي، ودفن في مدينة ولليلي وترك زوجه كنزة من القبيلة البربرية حاملا، فولدت إدريس الثاني (١٧٥ هجري) ومن سلالة إدريس الثاني انحدر “عمران ” الذي أعطي في اطار تقسيم الولايات

بين الاخوة الاثنى عشر ولاية تكساس (السطحية) بالمغرب وتوفى بفاس .ومن ذريته أولاد عمران واولاد عون ومنهم فرقة بني عمران في خنشلة ويقال لها قبيلة بني صبيح وبهذا أصل المؤلف بني عمران المنتشرين في مناطق عدة من الجزائر استنادا إلى مصادره كابن خلدون وما كتب حول الأنساب في المغرب الاسلامي إلى سلالة العمرانيين الذين كانوا في فاس وانتشروا في المغرب الاسلامي وأرجعهم إلى سلالة فاطمة الزهراء .ومنهم عمران الذي جاء حسب مصادر المؤلف إلى جبل ششار… ومنهم كما يعتقد – وإن لم يذكر ذلك صراحة

– بني عمران القاطنين بجلال.. ويبقى السؤال هل بني عمران جلال ينحدرون من بني عمران المنتسبين لادريس الاصغر ..؟؟

وهذا ما حاول أن يجيب عنه في جزء من أجزاء القسم الثاني التالي .

ثانيا: .فأما القسم الثاني الذي بحث فيه نسب أولاد عمران تناول فيه المؤلف عدة مواضيع حيث عرف القارئ بقرية جلال موطنهم، وتطرق إلى وثيقة بني عمران الأخلاقية القانونية واختتمها بثورة قرية جلال، وذيل القسم بلائحة المصادر الخاصة بنسب آل البيت وأخرى بنسب ال عمران فجاء القيم غنيا ..فبالنسبة لنسب أولاد عمران فقد أصل أصلهم العرقي مستندا على وثيقة بها نسب بني عمران سلمها له الشيخ محمد الطاهر أمام مسجد بلخوخ بجلال في الخمسينيات، حين ما كان طالبا في الزيتونة بتونس..وهي عبارة عن منظومة شعرية من نظم سيدي عبد ا بن بلقاسم عنوانها “شجرة الانساب” وفي كل بيت اسم من أسماء الشجرة وتنتهي الشجرة إلى الادريس الأصغر المنتسب إلى علي بن أبي طالب كرم ا وجهه. وهذا ما ورده بشأن نسب بني عمران. وإذا كان هذا ما ترويه القصيدة وتثبته بتسلسل النسب..فإن البحث يبقى مفتوحا للمكون الجوهري الامازيغي لثقافة ولغة وعادات بني عمران جلال.. فقد لا تكفي هذه الشجرة بالسليم باصل بني عمران “جلال” وهو ما يحتاج إلى دراسات حقلية انثروبولوجيا ميدانية تؤكد ما ذهبت إليه الروايات والوثائق.ومهما يكن فالمؤلف لم يقف عند النسب العرقي لآل عمران طويلا حتى بدا في هذا القسم وكأنه عارضا، فاهتم المؤلف أكثر بالتأثيل الاسلامي لأولاد عمران كثقافة، ليؤكد انهم من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم – حيث عرف بداية بقرية جلال جغرافيا وما تزخر به المنطقة من آثار تعود إلى ما قبل الميلاد ونبه لخطورة ضياعها واندثارها، وتوسع المؤلف بشكل ملحوظ في ذكر حفظة القرآن والفقهاء وعلماء بني عمران والذين درسوا كلهم في خنقة سيدي ناجي المحاذية لجلال، وهي القرية التي أسسها سيدي ناجي الأكبر الذي ينتمي إلى الأمويين ويقال انه من آل سيدي ناجي المحاذية لجلال، وهي القرية التي أسسها سيدي ناجي الأكبر الذي ينتمي إلى الأمويين ويقال انه من آل البيت.. وتولى التدريس في الزاوية كما جاء في الكتيب علماء من بني عمران وهم كثيرون، ذكر منهم أبو الفضل بن عمر البرباري، وعبد ا بن بلقاسم بلكحل، واحمد زروق، واحمد بركروك والمفتي سيدي عبد ا بن الواحد العمراني.. وسيدي عمر الشخام وسيدي احمد بوشامة وسيدي عبد الرحمن جد بني وادة، وسيدي احمد بن بوشامة.. الخ. وبذكر المؤلف للعدد الهائل من العلماء في أصغر عشر في ولاية خنشلة.. يؤكد نزعة حب العلم والثقافة الاسلامية المتوارثة جيل بعد جيل لعرش بني عمران. ولعل هذه النزعة العلمية هي ما كانت وراء مظاهر التنظيم السوسيولوجي والقانوني للعرش كما بينته الوثيقة القانونية والأخلاقية التي نشرها المؤلف في هذا الكتيب وشرحها، وهو ما زاد من قيمة هذا الكتيب.. وهي وثيقة صاغها سنة

١٩٤١ علماء وحكماء بني عمران وكتبها كما ذكر المؤلف الشيخ البشير العمراني أحد تلاميذ عبد الحميد بن باديس، وهو من حفظة القرآن الكريم..ووقع علي الوثيقة ساكني قرية جلال ومن حوله من القرى تابعة، وذكر أسماء الموقعين لثلاثة قرى من قرى أولاد عمران (اولاد ثابت، واولاد بوشامة، واولاد بلقاسم ) في اجتماع خاص، ويبقى البحث مفتوحا حول غياب أولاد اسباع واولاد وادة عن حفل التوفيع..ومهما يكن فإن هذه الوثيقة القانونية الهامة التي نشرها المؤلف كمخطوط في هذا الكتيب هدفت إلى منع الظلم والعدوان والحد من الفساد الأخلاقي كما قال المؤلف .

وهي عبارة عن مجموعة أحكام وإلزامات والتزامات يعتقد أنها إنصاف وعدالة في تنظيم حياة بني عمران وتخص عقوبات الشتم والذم والنميمة والغيبة وشهادة الزور والسرقات وهتك الأعراض والعدوان على المزارع والضرر بالبيئة وإسكان الأجنبي وتداعياته ..الخ ومن ثمة فالوثيقة صيغت في ضوء الثقافة الاسلامية وتعكس تمسك بني عمران في تنظيم حياتهم بالشريعة الإسلامية، أما عن ثورة قرية جلال ومساهمة بني عمران في الثورة فيجد القارى في الكتيب معلومات قد تكون جديدة عند الكثير.. حيث ذكر المؤلف أن منطقة ششار وجلال شهدتا ارهاصات ضد الاستعمار ما قبل ثورة نوفمبر ١٩٥٤ وكانت فرنسا تسميهم “المنافقين” وانظمت المنطقة كلها للثورة مباشرة ١٩٥٤وشهدت معارك ضارية في بدايات ١٩٥٥ أولها كان في ٩ نوفمبر 1954، ورفع العلم الجزائري في قرية جلال سنة ١٩٥٥ بعد تجمع بحضور عباس لغرور. وذكر مسلسل التضييق على سكان جلال وتهجيرهم إلى تبردقة.. وتطرق الى العمليات الجهادية البطولية والتضحيات لمجاهدي بني عمران، حيث ذكر أن المجاهدين نفذوا في منطقة جلال معارك ضارية كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر ثلاثة عشر معركة كبرى.. فضلا عن المناوشات الاسبوعية بين جنود الاستعمار والمجاهدين في القرى وضواحبها.. مما يدل على وحدة الموقف الجهادي الثوري لبني عمران مع الثورة وتنظيمها في كامل تراب ولاية خنشلة ..ولم يكتف المؤلف بتقديم معلومات حول نسب آل البيت في المغرب وشجرة بني عمران وثقافتهم.. فقد سهل على

الباحثين بأن زودهم بقائمتين للمصادر حيث ذيل بها الكتيب، إحداها خاصة وعنونها بمصادر النسب وغيره وذكر بشأنها ١٣ مصدرا.. والثانية عنونها بمصادر الانساب النبوية وذكر بشأنها ٧٤ مصدرا . وبهذا الكتيب يكون د. عمار طالبي قدم خدمة ثقافية نبيلة لعرشه وزوده بوثيقة هامة، وفتح لنخبهم مجال البحث .

وخلاصة ما نقوله في هذا الكتيب..هو أنه مبادرة قيمة لتثقيف أجيال عرش بني عمران بتاريخهم والتعريف بأصولهم

دون تعصب، والتعرف على علمائهم وما أنتجوه من ثقافة أخلاقية حكيمة، ولذلك يعد إضافة جديدة لمكتبة البلدية؟

وبعد ذلك فالكتيب مبادرة من بين المبادرات القليلة التي بحثت الثقافات والاثنيات في منطقة ششار وجلال، مما

يشجع الباحثين ويثير فيهم الاهتمام وجذوة البحث العلمي لإماطة اللثام عن الثقافات المناطقية وإثراء الثقافة الوطنية

وتعريف الجزائريين بثقافاتهم المغمورة المتنوعة، فضلا عما فتحه الكتيب من أسئلة تستثير الباحثين حول ثقافة بني

عمران الضاربة الجذور في التاريخ الامازيغي..وبهذا الكتيب يكون قد توفر لجيل بني عمران إضافة إلى المخطوطات

والروايات كتيبان (هذا الكتيب الذي ببن أيدبنا، وكتابنا الذي أصدرناه ٢٠١٧ بعنوان: “بنو عمران التاريخ والثقافة والجغرافيا). نأمل أن تتلوا هاتين المبادرتين؛ مبادرات أخرى أكثر تخصصا تكشف عن كنوز الثقافة في المنطقة وفي مناطق محاذية. ونأمل أن يحظ الكتيب باهتمام القراء والباحثين ونسأل أن يجعل هذا الجهد في ميزان حسنات المؤلف.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق