فضاء الفتوى

ماذا ينتظر الْمُحْسِن من الْمُحْسَن إليه؟ وما هو واجب من يُحْسَن إليه؟

فتوى يعدها الشيخ محمد مكركب أبران

قالت السائلة: من عادة بعض الناس وهم على نياتهم (كما تقول السائلة) أنهم عندما يقدمون معروفا (يعملون الخير للناس) ينتظرون من الذين يحسنون إليهم رد الفعل الإيجابي لهم أن يقابلوا معروفهم بمعروف، قالت: وبعض من يحسن إليهم لا يجدون ما يقدمونه من معروف، ماذا يفعلون.؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.

أولا: أن الأصل في فعل الخير أن لا يرجو المحسِن من المحسَن إليه شيئا، فالمحسن يحسن كما أحسن الله إليه، قبل أن يسأله، ودون أن يشترط عليه المقابل، وإنما يحتسب المحسن أعماله لله تعالى يرجو منه الأجر والثواب، كأولئك الذين مدحهم الله في كتابه، فكن منهم أيها المحسن. من هم؟ إنهم الأبرار:﴿ إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾[سورة الإنسان:5/6] لماذا استحقوا هذه المكانة؟ لأنهم كانوا:﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً﴾[سورة الإنسان:7/9] فالعمل الذي ينفعنا يوم القيامة هو ما نقوم به إيمانا واحتسابا، خالصا لله تعالى. هذا الكلام نُذَكِّرُ به المحسنين الذين رزقهم الله الخيرات، وقال لهم:﴿ آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾[سورة الحديد:7] وليعلم المحسن المتصدق أن أجر الصدقة عظيم إذا قامت على الإخلاص والإحسان والجمال. الصدقة تشفي المريض، وتكفر الخطيئة، أو [تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار] (الترمذي:2616). عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر، وذكر الصدقة، والتعفف، والمسألة:[ اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَاليَدُ العُلْيَا: هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى: هِيَ السَّائِلَةُ](البخاري:1429) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

ثانيا: ونقول للمُحْسَنِ إليه، لِمَنْ ينال خيرا ومساعدة وإحسانا من إخوانه، نقول له: كن أنت أيضا من أهل الإحسان، فإذا استطعت أن تكافئهم بالمعروف فافعل ليس من قبيل المحاسبة والمقايضة والتعويض ولكن من قبيل مقابلة الإحسان بالإحسان، وبعث الحوافز النفسية في نفس المتصدق المحسن لتنشرح نفسه ويطمئن قلبه، ويُفْتَحُ له بابُ الأمل في طرق التطوع وعمل الخير. واقرأ هذا الحديث. عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ](أبو داود:1672).

وورد شرح الحديث في كتاب:{عون المعبود شرح سنن أبي داود} (باب عطية من سأل بالله عز وجل) (من استعاذ) أي من سأل منكم الإعاذة مستغيثا (بالله فأعيذوه) قال الطيبي أي من استعاذ بكم وطلب منكم دفع شركم أو شر غيركم قائلا بالله عليك أن تدفع عني شرك فأجيبوه وادفعوا عنه الشر تعظيما لاسم الله تعالى فالتقدير من استعاذ منكم متوسلا بالله مستعطفا به ويحتمل أن يكون الباء صلة استعاذ أي من استعاذ بالله فلا تتعرضوا له بل أعيذوه وادفعوا عنه الشر فوضع أعيذوا موضع ادفعوا ولا تتعرضوا مبالغة (فأعطوه) أي تعظيما لاسم الله وشفقة على حق الله (ومن دعاكم) أي إلى دعوة (فأجيبوه) أي إن لم يكن مانع شرعي (ومن صنع إليكم معروفا) أي أحسن إليكم إحسانا قوليا أو فعليا (فكافئوه) من المكافأة أي أحسنوا إليه مثل ما أحسن إليكم لقوله تعالى {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } و{وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ } (فإن لم تجدوا ما تكافئوا به) أي بالمال والأصل تكافئون فسقط النون بلا ناصب وجازم إما تخفيفا أو سهوا من الناسخين كذا ذكره الطيبي والمعتمد الأول لأن الحديث على الحفظ معول ونظيره كما تكونوا يول عليكم على ما رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة (فادعوا له) أي للمحسِن يعني فكافئوه بالدعاء له (حتى تروا) بضم التاء أي تظنوا وبفتحها أي تعلموا أو تحسبوا (أنكم قد كافأتموه) أي كرروا الدعاء حتى تظنوا أن قد أديتم حقه. (5/61) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق