تحاليل وآراءقضايا الأمـــة

هل مجرد تعديل الدستور يكفي؟

بقلم الدكتور عمار طالبي

يظن بعض الناس أن مجرد تعديل الدستور، والموافقة عليه يحدث معجزة، قد جربنا الدساتير التي تمت منذ الاستقلال، وعلمنا كيف يغير الدستور حسب رغبة الحكام، ولا يحترم، ولا تحترم الحريات، ولا يردع الفساد، فإن العبرة ليست بتعديل دستور مّا، وإن كان على غاية من الدقة والشمول، إنما العبرة بتنفيذه، وسنّ القوانين التي لا تتجاوزه، والعبارة “الإسلام دين الدولة” عبارة كلية تشمل كل ما يشمله الإسلام من مبادئ أخلاقية وتشريعية، وسياسية، واقتصادية، وغير ذلك، فبعض الناس يأتي بمصطلح “الإسلام السياسي” ويحذر منه، فهذا المصطلح وضعه الغرب والعلمانيون وتبعهم في ذلك الإعلام في العالم الإسلامي،  وهو خطأ فادح وفخ، لأن الإسلام يتضمن صراحة السياسة، وليس دينا روحانيا لا شأن له بالمجتمع وظواهره، فمنذ ميثاق المدينة المنورة إلى ما نشأ في تاريخ الإسلام من دول كانت سياسية مستندة إلى تشريعه ومبادئه العامة في العدل،  والمساواة أمام القانون، والمساواة في تداول الأموال والثروات.

فالإسلام ليس وعظا وإرشادا ولا روحانية لا شأن لها بالشأن العام،  وإنما عني بضبط الشأن العام بسنن وقوانين.

ولذلك نحن اقترحنا أن يكون من بين مواد الدستور الجديد أن الشريعة مصدر رئيسي للتشريع، ليكون تشريع القوانين فعلا، يستجيب للمادة: “الإسلام دين الدولة”، ولم يقبل هذا، مع أن كل دساتير الدول العربية ينص على هذا المبدأ.

قد يكون الدستور عظيما، في صيغته، وبنوده، لكن المقصد تنفيذه، والدفاع عن هذا التنفيذ، بمحكمة دستورية عليا تحرص على أن لا يسنّ قانون مخالف لنصوصه.

فبالرغم من البند الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة فإننا نجد في الواقع ما يخالف ذلك، فقد يطعن في الإسلام إنسان ما في الصحافة أو في غيرها من وسائل الإعلام، ولا رادّ لطعنه، فقد سمعنا من يطعن في السنة في أصح ما لدينا كالبخاري ومسلم جهرة في التلفاز،  ولا نجد قانونا يصدّه عن هذا الطعن ويردعه.

 وإننا نستبشر بهذا الفتح الجديد فيما يتعلق بالمصارف الإسلامية في الجزائر، وهو لون جديد من المصارف التي شهد لها كبار الاقتصاديين عندما وقعت أزمة الرهن العقاري سنة 2008، وتراكم الديون المركبة، وصرحت كريستن لاغارد وزيرة الاقتصاد بأنه: “من المناسب الاسترشاد بمبادئ التمويل الإسلامي لإصلاح النظام المالي العالمي”، ويعني الإسلام بالتكافل الاجتماعي،  بإلزام المجتمع بأن يرعى الفقراء، وذوي الحاجات،  والمرضى، وبذلك فإنه ضرب المثل الأعلى في الضمان الاجتماعي الذي لم يهتد إليه المنظرون الغربيون إلا في وقت قريب، ونعتقد أن هذه الشبابيك أو النوافذ في البنوك للاقتصاد الإسلامي، وكذلك المصارف الإسلامية التي تعمل على أساس التمويل الإسلامي فهذا كله يجعل المواطنين الذين لهم أموال يدخرونها يدخلونها للاستثمار الحلال في هذه المصارف.

ولنا ثروة تشريعية متميزة، والتجربة المصرفية المعاصرة برهنت على أنه في الإمكان تأسيس نظام مصرفي ومالي لا يعتمد على الفائدة الربوية الذي أصبحت مضارّه ظاهرة متزايدة ولذلك قال:

michel santi : L’Occident acceptera-t-il d’être sauvé par la finance islamique ? , www.lotribune.fr, 14/01/2019.

  (أ.د. محمد بوجلال، تحديات الصناعة المالية ص7، كراسات المجلس العدد 11 جانفي 2020).

وإذا كان احتياط الصرف الجزائري الذي يصبح في حدود 10 مليار دولار سنة 2021 أو أقل،  فإن الجزائر تصبح في مشكلة يتحتم عليها التحكم في الواردات، بما في ذلك الخدمات الخاصة بالتأمين، والخبرة، والدراسات،  التي تقوم بها شركات أجنبية،  وخدمات التخزين والنقل، مما يجعلها أمام العجز عن تلبية حاجتها من الخارج، خصوصا إذا بقي سعر البرميل من النفط دون 50 دولار،  وعلينا أن نتفادى فخ المديونية، لذلك يجب المسارعة إلى تطبيق الصيرفة الإسلامية من خلال نظام 12/20 ومراجعة قانون النقد والقرض، ويشمل ذلك المصارف الإسلامية، والسوق المالية الإسلامية، واستثمار الوقف؛ وصندوق الزكاة، وبذلك نكون قد شرعنا في تطبيق بعض أوجه مبدأ “الإسلام دين الدولة”.

ولعل المشرع الجزائري يسرع إلى تغيير كثير من القوانين التي تتعلق بالاستثمار والإدارة وغيرها من المعرقلات للتنمية الشاملة. وكذلك ملء الفراغ القانوني مثل الجرائم  التي استفعلت هذه الأيام، بردعها بإقامة قانون القصاص من القاتل كما ينص عليه القرآن بصراحة  ووضوح، لأنه هو الرادع الحقيقي حتى لا يقدم أي شخص تسول له نفسه، إزهاق الأرواح، ففي القصاص محافظة على حياة الآخرين ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [ سورة البقرة، الآية: 179]  فإذا علم أنه يقتص منه لم يقدم على ذلك، وأما مجرد السجن فإنه لا يجدي غالبا كما علمتنا التجارب.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق