كلمة الرئيس

نحن والهزات الارتدادية للانتخابات الأمريكية

بقلم الدكتور عبدالرزاق قسوم

إذا زُلزلت أمريكا زلزالها، وأخذت صناديق الاقتراع تخرج أثقالها، وترسم أمام العالم مآلها، عندها اضطربت لدينا خلجات الأنفاس، وأصيب بالوسواس الخناس، بعض الأرجاس والأنجاس.

فإعلان البيت الأبيض، عن ذهاب وال ومجيء وال ينذر بتحول خطير،ستشهده السياسة الأمريكية إزاء القضايا الكبرى في العالم، كالعلاقة مع الصين، والاتفاق النووي والعلاقة مع أوروبا، والسياسة إزاء إيران وقضية صفعة القرن، الخ.

ولئن كنا واثقين من أن سياسة البيت الأبيض لا يضعها شخص معين، حتى ولو كان رئيسا، لأن المؤسسات هي التي ترسم معالمها، لكن شخصية الرئيس، من حيث التوازن النفسي، والنضج العقلي، والتكوين العلمي، كلها مقومات ضرورية لحسن تقديم السياسة الأمريكية وجودة عرضها.

وأيا كان القادم أو الذاهب من البيت الأبيض، ومهما يكن الصاعد أو النازل في مصعده، فإن من السذاجة المبالغة في التفاؤل بالوافد الجديد على البيت الأبيض، ذلك لأن ما يهمنا من هذا الوافد هو موقفه من «لعنة القرن»، وحل قضية فلسطين المزمنة، «غير أن جهيزة قد قطعت قول كل خطيب»، فقد أعلن الرئيس المنتخب أنه صهيوني حتى النخاع، وأنه مع الكيان الصهيوني ظالما أو مظلوما، وهو الظالم دوما.

ففيم العمل –إذن- وقد سبق السيف العذل؟
إن قناعتنا الثابتة، هي أن فقهاء السياسة العربية أو الإسلامية، ممن يرفضون التطبيع، لن يخسروا شيئا بذهاب الذاهب، كما أنهم لن يربحوا شيئا بقدوم الوافد. إنما الطامة الكبرى هي في جانب من وضعوا بيضهم كله في سلة الذاهب، فقد أغدقوا عليه المال الوفير، وقدموا له الفراش الوثير، وساندوه في الزمن العسير.

من هنا ندرك أن سياسة البيت الأبيض في الشرق العربي، نحن الذين نضع معالمها، ونحن الذين نوطد لها أكناف مظالمها، فقوة التحالف الصهيوني الأمريكي من ضعفنا، وضياع حقوق الشعب الفلسطيني، من ضياع ذاتيتنا العربية الإسلامية التي تزداد كل يوم خنوعا، وخضوعا أمام حلف الأعداء، وبطش الألداء.
إن الوافد الأمريكي الجديد على البيت الأبيض ليس أجنبيا عن القضية الفلسطينية، فقد كان نائبا للرئيس الأمريكي الأسبق طيلة ثماني سنوات، فلم نر منه ما يسرُّ، بل رأينا من سياستهم دوما ما يضرُّ.
فأي تغيير أو تجديد، يتم في السياسة الأمريكية إزاء القضية الفلسطينية، والقضايا العربية بوجه عام، مادامت الأنظمة التي مكنت للرئيس السابق هي نفس الأنظمة، والقناعات التي آمنت بالتطبيع والتضييع، والتمييع، هي نفسها السائدة اليوم؟
هي كلمة صريحة وفصيحة، يجب أن يسمعها القاصي والداني، والصديق والعدو، وهي أن قضية فلسطين قد تجاوزت عصر المفاوضات سواء مع كبير المفاوضين أو مع صغيرهم، فتلك العقود، والعهود، والمفاوضات قد نسخت بعرق الأسرى، ومحيت بدماء الشهداء، وتحطمت بحجارة الطيور الأبابيل.
لن تتحرر فلسطين، إن هي ظلت تعتمد على الغير لا على أبناء فلسطين، فالغير حتى ولو كان يحمل عنوان الشقيق أو الصديق، لن يستطيع أن يزحزح قيد أنملة، العدو الفلسطيني، كما أنه لم ولن يستطيع أن يهدم المستعمرات الصهيونية التي ظلت تتمدد وتتعدد على أعين وبمباركة الأشقاء.
إن الحل الدائم والثابت للقضية الفلسطينية ولقضية القدس، ينبغي أن ينبثق من عرق المقاوم الفلسطيني، ومن بندقية الجندي الفلسطيني، ومن عزم وحزم، وإصرار وإقرار الفلسطينية التي لا تلد إلا الأحرار، ولا ترضع إلا الثوار.
ذلك أن الطفل الذي يولد في أحضان القمع، واليتم والتشريد، هو الذي سيأتي بالتغيير والجديد.
وكما يقول نزار قباني للإسرائيليين:
ما بيننا وبينكم
لا ينتهي بعام
لا ينتهي بخمسة
أو بعشرة، ولا بألف عام
طويلة معارك التحرير
كالصيام
ونحن باقون على صدوركم
كالنقش في الرخام
باقون في صوت المزاريب
وفي أجنحة الحمام
باقون في ذاكرة الشمس
وفي دفاتر الأيام
باقون في شيطنة الأولاد
في خربشة الأقلام
باقون في شعر امرئ القيس
وفي شعر أبي تمام
باقون في شفاه من نحبهم
باقون في مخارج الكلام
لم يسجل التاريخ الإنساني، أي قضية عادلة قد هزمت، مهما طال عليها الأمد، وقضية فلسطين وعاصمتها القدس، هي من أعدل القضايا التي عرفتها الإنسانية.
فيا بني قومي ! وأنتم أيها المنخدعون بغثاء السياسة الأمريكية ! أما آن الأوان أن تستيقظوا من سباتكم، وتحيوا بعد مماتكم، فتستمعوا إلى أصوات شعوبكم، ونداء خالقكم، فذلك هو الأدوم والأبقى، انتبهوا خير لكم.
لا نريد أن يسجل التاريخ عليكم، أنه في عهد فلان أو علان، طعن المقاوم الفلسطيني في ظهره، وقتل الأسير الفلسطيني في زنزانته، وسحِق الطفل الفلسطيني في يتمه، وخدعت الثكلى الفلسطينية في مأساتها ومحنتها.
فالأعداء لا أمن، ولا أمان، ولا إيمان لهم، إننا نعذركم، لو أنكم تبتم من خطئكم، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، لكن لن يغفر التاريخ لكم أموالا للأعداء أنفقتموها،وذمما للشرفاء طعنتموها، وعهودا للمقاومين خذلتموها.
إنكم يا إخوتنا مسلمون، ومؤتمنون على الإسلام، والإسلام ينهانا عن أن نخذل المسلمين أو أن نخونهم، أو أن نسلمهم للأعداء.
وإنكم يا أشقاءنا عرب، والعروبة صنو النخوة والشهامة، والعزة والكرامة، فكيف تخرجون عن قوميتها، ونخوتها، وتتحالفون مع أعدائها، ﴿..أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾[سورة النساء، الآية 139].
إن الزلزال الأمريكي، الذي نحن نعاني هزاته الارتدادية، يلقي علينا دروسه القيمة، ومطلوب منا أن نحسن الإصغاء لهذه الدروس.
أجمعوا يا إخوتنا أمركم، قبل وصول القادم الجديد إلى البيت الأبيض، ليجدكم صفا واحدا لا ثلمة فيه، وجمعا موحدا لا يتصدع ولا يتزعزع، أما دون هذا، فإن الدائرة ستدور عليكم، من نفس من تحالفتم معهم، فهم كما يقول الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[سورة البقرة، الآية 100].
نصحت ونحن مختلفون دارا                      ولكن كلنا في الهم شرق

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق