حدث وتعليق

انتقال الأستاذ الصادق المهدي إلى رحمة الله

بقلم الدكتور عمار طابي

خسرت السودان الشقيقة، والعالم الإسلامي علما من أعلامها في السياسة، والدين، والدفاع عن الإسلام، والديمقراطية، ومكافحة الاستبداد.

وهو من أحفاد صاحب الثورة على السلطة البريطانية، والجهاد في سبيل التحرر، الشيخ عبد الرحمن المهدي، الذي دوّخ الجيش البريطاني، كما فعل المجاهد عمر المختار الذي تربّى في الطريقة السنوسية المجاهدة في دفع التسلط الإيطالي، وكما فعل عثمان فودي في غرب إفريقيا، والشيخ الحداد في ثورة 87 في الجزائر، ضد التسلط الفرنسي.

تكوّن المهدي في أم درمان، وفي الخرطوم ثم في الاسكندرية في مدرسة فكتوريا كوليج Victoria college  وهي مدرسة انجليزية يدرس بها أبناء العائلات المشهورة، وقد درس بها الملك حسين، ثم يبدو أنه نفر من عادات المدرسة المخالفة لدينه، وبالمناسبة لما كنت في جامعة الاسكندرية مع أسرتي انخرط ابني الغزالي في قسم الحضانة، وتعلم الانجليزية في هذه المدرسة وكانت بجوار المنزل الذي أقيم به بخطوات في شارع إقبال، وبجوارنا منزل عبد الرحمن عزام الأمين العام لجامعة الدول العربية، وكما درس مدة في كلية الخرطوم، فإنه درس في جامعة أكسفورد في كلية القديس يوحنّا فدرس الاقتصاد، والسياسة، والفلسفة، ونال درجة الماجستير.

تولّى عدة وظائف إدارية، ثمّ انخرط في العمل السياسي في صفّ المعارضة، وكان نضاله في سبيل الديمقراطية والتأصيل الإسلامي في السودان.

وتولى رئاسة حزب الأمة 1964، وانتخب رئيسا لوزراء حكومة السودان عدة مرات، كما انتخب إماما لجماعة الأنصار، وألف عدة كتب منها: يسألونك عن المهدية، وجهاد من أجل الاستقلال، والعقوبات الشرعية وموقعها من النظام الإسلامي، والديمقراطية عائدة وراجعة، وغيرها، وهو عضو في المؤتمر القومي الإسلامي في بيروت، في المجلس الإسلامي الأوربي بلندن، ومجلس إدارة المال الإسلامي في جنيف، وفي جماعة الفكر والثقافة الإسلامية بالخرطوم، ومجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية.

عارض حكومة عبّود وله صلة بنشاط الطلبة، ونادى بالحل السياسي لجنوب السودان، وأصدر كتابا وهو “مسألة جنوب السودان” وأنها لا تحل عسكريا فلم يستمع له، وضاع الجنوب وخسرت السودان ثروتها الكبرى في هذه المنطقة بفعل تدخل الكنيسة وأمريكا، ثم قضى على الحكم العسكري بتوحيد الجهود السياسية.

اعتقل وسجن عدة مرات، وقام بجولات في العالم، وألقى عدة محاضرات في اكسفورد وجامعة درهام، ومانشستر، وجامعة كادونا بنيجيريا، يدعو للحل الإسلامي، ومبشرا بالصحوة الإسلامية، وهو صهر الشيخ حسن الترابي إذ تزوج الترابي أخت المهدي، له ولع بالفروسية ولعب البولو، والتنس، والشعر.

نال جائزة السلام، في مانيلا عاصمة الفلبين وهو الأمين العام لمنتدى الوسطية في الأردن، وقد حضرت بعض نشاطات هذا المنتدى، وسعدت بلقائه، وكان قد زارنا في ملتقى الفكر الإسلامي في الجزائر بدعوة من وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وقد زرته في منزله بالسودان سنة 1979 بمناسبة حضوري ندوة في جامعة الخرطوم مع الأستاذ راشد الغنوشي والشيخ محمد الصالح النّيفر الذي كان لاجئا بالجزائر فرارا من نظام بورقيبة، وسعدنا بمرافقته، والشيخ حسن الترابي في رحلة بسفينة في النّيل، وتناولنا الغذاء على ظهرها وهي تمخر عباب ذلك النهر الخالد، ثم حضرنا حفلا في منزله، وصلينا صلاة الغائب على أبي الأعلى المودودي، -رحمه الله – وقد توفي في تلك السنة.

وقد زرت السودان عدة مرات، ودعيت من جامعة الخرطوم لأشارك في تصحيح الامتحان، باعتباري ممتحنا من خارج الجامعة وهو نظام معمول به، كما زرتها في العهد الذي كان فيه الأستاذ حداد والمجاهد سفيرا في السودان، زرت جامعة الخرطوم وجامعة أم درمان، ووزارة التربية للتعاقد مع بعض الأساتذة بجامعة الأمير عبد القادر.

إنّ الشعب السوداني شعب لطيف المعاملة، طيب القلوب، مضياف وللجزائر مع السودان تاريخ وذلك أن الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمن صاحب الطريقة الرحمانية أرسله شيخه سالم الحفناوي، وبقي في دارفورست سنوات داعيا، واعظا، لذلك كنت أقول لإخواننا السوداني أن لنا نحن في الجزائر حقا في دارفور، وهو حق مصالحتها مع نفسها والدخول في السلام، والحمد لله لقد فرحنا هذه الأيام باتفاق هذه المنظمات على السلم والأمن ولكن حزننا شديد وحسرتنا تحز في نفوسنا من هذا الميل إلى التطبيع وخاصة أنه من الجيش الذي مهمّته الدفاع عن مقومات الأمة وكرامتها، وعن المقدسات وحرمتها.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق