حدث وتعليق

جريمة المخدرات أكبر من وأد البنين البنات

بقلم الشيخ محمد مكركب أبران

إن الذين يُروجون عقاقير المخدرات والحشيش الخبيث وأنواع الكوكايين والمهلوسات، هم ومن يساعدونهم، والذين يتواطؤون معهم لأشد خطرا على الفتيان والفتيات  والأسر والعائلات، بل وهم أخطر على المجتمع كله وأكبر من جرائم وأد البنين والبنات على الطريقة الجاهلية.

حيث إن الذي يصنع هذه السموم، أو يستوردها، والذي يشتريها أو يبيعها، كقاتل النفس البشرية بل هو أخطر، وكخائن الأمة بل هو أحقر، ومن يشاركه ويتواطأ معه فهو أذنب منه جرما، وأقبح منه ظلما. فهم  جميعا كحامل السلاح على الشباب، وكالغشاشين المخادعين الذين حَذَّر النبي عليه الصلاة والسلام من فعلهم وجرائمهم، حيث قال:[من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا] (مسلم:101) وهل هناك سلاح أخطر من سلاح يدمر عقول الشباب، وينشر في المجتمع الفساد والخراب، فانتشار المخدرات يشل قدرات ومواهب الشباب ويخرجهم من عالم الإنسانية إلى عالم الجاهلية وهم (أي الشباب المصابون) مغلوبون على أمرهم، مظلومون في حقوقهم، وإن كانوا لايعفون من المسؤولية نهائيا، نعم من غشنا فليس منا، وهل هناك غش أخطر من خداع الفتيان والفتيات والإلقاء بهم وبهن في جحيم المخدرات؟؟ يا من لاتخافون رب الأرض والسموات، ما ذا تقولون لربكم سبحانه وتعالى يوم القيامة، يوم لاتنفع العصابات البارونية، ولا أكياس النقود السُّحْتِية، ولا التدخلات السلطوية العالمية المافيوية، ولا الخيانات الداخلية التابعة للأفاعي القارية. 

نعم إن جريمة المخدرات، أكبر من وأد البنين البنات، فبالإضافة إلى قبح ونذالة أباطرة هذا السلاح الفتاك، والسم الْهَتَّاك، الموجه للبيئات الفقيرة والمتخلفة والغارقة في الأمية المعلوماتية، والتشرد والضياع، حيث الشباب المهمش في وسط من الفوضى الغابية، وبالإضافة إلى الجريمة السياسية التي يرتكبها المسئول عن المدينة أو القرية أو الغابة التي تصنع فيها المخدرات، أو يزرع فيها حشيش العار، وسموم الدمار. بالإضافة إلى هؤلاء هناك، أو هناك، فإن هناك مسؤولية الأيدي المساعدة لأولئك، الْمُسَخَّرين بالمجان، من الحاملين والناقلين، والأذناب الْمُسَهِّلين مقابل فتات السحت، وقديد من جيفة الخنازير، والمعلوم أن الذي يتاجر بالمخدرات، والذي يأكل من رشوة وثمن المخدرات كالعاهر التي تبيع شرفها وكرامتها. إذ أن الزنا والخمر والمخدرات كلها من الخبائث، والواقعون والواقعات في شيء  من هذه الموبقات، هم وهن من الخبيثين والخبيثات.قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ والمتعمد في فعل هذه الموبقات المحرمات لن يكون إنسانا عاديا محترما حتى يتوب ويشارك في إصلاح المجتمع الذي كان مشاركا في إفساده، قال الله تعالى:﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ لاتزال ظاهرة انتشار المخدرات في بعض الأوساط في مجتمعنا، تشتد على كثير من الشباب، تقتل فيهم الرجولة والذكاء والأخلاق، وتميت فيهم الأمل، وتحول وجدانهم وطموحهم من حب وطنهم إلى كراهيته، وتتركهم فرائس للأوهام والوساوس واليأس والتمرد على مجتمعهم، ووصل الخطر إلى سقوط فتيات بين أذرع أخطبوط المخدرات، ظهور فتيات يتعاطين الكوكايين والمهلوسات، فتمزقت أسر، وخربت بيوت، ووجد هؤلاء المتعاطون لهذه السموم والغموم، وجدوا أنفسهم وأهليهم في جحيم فتنة لا مخرج منها، إلا التوبة وتطهير المجتمع من مروجي هذه الخبائث المدمرة.

ولم يتوقف خطرُ المخدرات عند غزو عقول الشباب وتحطيم شخصيتهم، وكفى بهذا الإثم، أنه جريمة الجرائم، وكبيرة الكبائر، ولكن تعدى الخطر كل الخطوط الحمراء إلى صناعة عصابات تهريب الأموال، والجوسسة، والاختطاف، والاغتصاب، وتدمير الثروات، والمنشآت،.

المخدرات من أكبر أسباب انتشار العنف والخوف وتهريب الممنوعات، والتزوير، وسرقات السيارات والبيوت، بل قد يصل المدمن على المخدرات إلى سرقة طفل بريء، أو تدمير مستقبل فتاة، أو يصل هو بنفسه إلى الانتحار، إن من يعلم ويسكت متعمدا، ومن يتواطأ فهو من المعتدين الآثمين بل من المجرمين الذين يكون حسابهم كبير يوم الحساب.

عندما تصاب بعض المجتمعات بالأزمات الاقتصادية، والاستبداد الجاهلي، وطغيان الكفار على المؤمنين، يقع الناس في حيرة قائلين مع أنسهم بلسان حالهم: لما نصاب بهذا؟ من أين نزل هذا البلاء؟ وما هو السبب الذي أوصلهم إلى السقوط في هذا الفساد؟  وألف سؤال وسؤال، وهم لايدرون أو أنهم يتجاهلون،  والسبب. هو كما قال الله تعالى للذين انهزموا يوم أحد وأصابهم ما أصابهم. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال الله تبارك وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

وتدبروا هذا الحديث يا من تتساءلون عما أصاب هذه الشعوب المتخلفة الغارقة في الفساد الأخلاقي والفساد السياسي والفساد الاقتصادي والاجتماعي، والفساد التربوي أكثر وأدهى وأمر.فعن حذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم.] (الترمذي. أبواب الفتن.2169)

قال محاوري: أليس من الحماقة أن يعلم المسلمون هذه التحذيريات الواضحة، وحجم الخطر الذي يهددهم، بل ويداهمهم من كل جهة  بسبب سكوتهم عن الأمر بالعروف والنهي عن المنكر،؟ أو بسبب مشاركتهم عن جهل وغير قصد، كيف يُصِرُّون على بيع الخمر، والتعامل بالربا، والسماح بترويج المخدرات، أما التبرج بل والعري، والإهمال المتعمد، صار من العرف والعادات.؟ قلت: من هم المسلمون الذين تتكلم عنهم؟  قال: أقصد علماءهم وحكامهم. قلت: لوصلح هؤلاء لصلح المجتمع كله. ولكن تعال لنبدأ بأنفسنا  بما نستطيع؟ فالله تعالى قال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: ماذا يعني؟ قلت: نبدأ بأنفسنا،  بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بتبليغ هذا التحذير والنصح والتبيان لكل الناس، فإن الصحابة كانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح. فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: [بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم] (مسلم. كتاب الإيمان.56) قال محاوري: وهل يغيب علم  هذا عن الناس؟ أولا يعلمون خطورة المخدرات، وجريمة ترويجها، والذنب الكبير، والعاقبة الوخيمة للمسؤول الذي بيده الحلول. قلت: لاشك أنهم يعرفون أو يعلمون، ولكنهم لايفقهون، فبلغ هذا تبليغ الهلال في السماء للشارب في بركة الماء، لعلهم يتقون، ولئلا تكون لهم حجة لأنفسهم وهو تسول لهم فعل المنكرات.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق