bac

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي

الشيخ والمربي عبد العزيز بلعبيدي… ايقونة الثقافة ورمز المثقف الحقيقي.
هناك شخصيات تترك في حياتها وبعد مماتها ذكرا طيبا يتداول بين الناس مدى الأزمان، وشخصية الشيخ عبد العزيز بلعبيدي من تلك الشخصيات النوعية، فهو المربي الحنون، والمثقف الموسوعي، والشيخ الوقور، والمعلم المحنك، والأديب الألمعي، وشيخ في صورة شاب تجده في كل المحافل الثقافية والعلمية والدينية مشاركا ومساهما بكلماته وتصويباته ونصائحه، فهو كالغيمة النافعة أنما حلت نفعت.
المولد والنشأة:
هو الشيخ عبد العزيز بن بوبكر بن نصر بلعبيدي، من مواليد بلدة كوينين خلال سنة 1929م، فكان ميلاد الشيخ خلال مرحلة هامة من التاريخ الوطني وهي فترة مرور مئة عام عن احتلال الجزائر، وأيضا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبروز الحركة الاصلاحية الجزائرية بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وزعماء الاصلاح المعروفين، وهو التيار الذي انتمى اليه الشيخ عبد العزيز منذ بداياته التعليمية الأولى وتأثر به كثيرا في كل مراحل حياته وإلى يوم وفاته وهو يقول انه يحب الخضراء ويقصد بها وكان حبه لها نابعا من حب طلب العلم والرحلة لجامع الزيتونة الذي كان يحلم بالدراسة فيه ولكن ظروفه حالت دون ذلك، وشاءت الأقدار ان يتوفى الشيخ في تونس البلد التي يحب.
ولقد نشأ الشيخ في وسط أسرة محافظة تهتم بتعليم أبنائها، ولكن القدر أبى إلا أن يعيش الطفل عبد العزيز حياة اليتم منذ نعومة أظافره فلقد توفى والده وهو في السن الخامسة، فعاش حياة اليتم وتكفلت أمه وأيضا عمه به وبأخوته.
ولقد انتسب الشيخ عبد العزيز للكتاب القرآني الموجود في بلدته وعمره لم يتجاوز الخمس سنوات، فختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الغالي، وبعد ذلك درس النحو والصرف و مبادى اللغة على الشيخ الحسين مطوري أما الفقه على الشيخ أعمر الأحمدي وخاله الشيخ السعيد بلعبيدي .
ويروي الشيخ عبد العزيز عن مرحلة طفولته ” انها كان منذ صغره مولع بالقراءة والمطالعة، فكان لا يترك شيء يقع بين يديه إلا وقرأه واستفاد من محتواه، ولأن أخاه عبد الكريم كان من المتعلمين وحفظة كتاب الله وكان أيضا ممن أخذوا العلم على العديد من شيوخ البلدة وكان يأتي بالكتب، فلقد أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الكثير من الكتب التي قرأها بنهم كبير، ولعل أول كتاب قرأه الشيخ ويتذكره هو ” ماجدولين” للأديب المصري المعروف مصطفى المنفلوطي”.
ومما أثر فيه أيضا أن منطقة وادي سوف تأثرت كثيرا بالحركة الإصلاحية، وبروز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان أقصى درجات ذلك التأثير هو زيارة أقطاب جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف في أواخر سنة 1937، أي أن سن الشيخ كان الثامنة، ونشطت الحركة الإصلاحية، وبدأ الطلبة يسافرون على جامع الزيتونة ويرجعون الى بلدهم لينشروا تلك المعارف والعلوم والآداب التي اكتسبوها على بني بلدتهم ممن لم يساعدهم الحظ للسفر، وكان الشيخ عبد العزيز من أولئك الجالسين حول الطلبة الزيتونيين يستفيد من دروسهم وشروحهم وحديثهم عن تونس وعلومها وثقافتها ولعل ذلك هو ما جعله يحن للزيتونة وتونس الخضراء. وينمي ذكاءه وفكره وثقافته بسبب مجالسة أولئك الزيتونيين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي طالب بالمعهد الباديسي بقسنطينة.
بقي الشيخ عبد العزيز تواقا لمزاولة التعليم في جامع الزيتونة المعمور، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك، ولقد كان الطالب الزيتوني يحتاج لمصاريف السكن والطعام ولوازم الدروس والدراسة هناك في تونس، وكان كل من يذهب الى هناك يجد من يتكفل به سواء من أهله أو من ميسوري الحال في بلدته أو فيما بعد ظهرت بعض الجمعيات أو المدارس التي تكفلت بارسال بعثات الى الزيتونة ولكنها للأسف لم تكن موجودة بوادي سوف سوى الرحلات الفردية الخاصة، لذلك لم تمكن الشيخ من الذهاب الى تونس.
ولكن شاء الأقدار ان يتم فتح معهد علمي مرموق في قسنطينة في سنة 1947 وهو معهد عبد الحميد بن باديس، تابع لجمعية العلماء وهو المعهد الذي أصبح فرعا زيتونيا، وبالفعل تمكن الشيخ عبد العزيز من أن ينتسب الى هذا المعهد الذي كان يقوده جملة من العلماء الجزائريين المعروفين، ومما ساعد الشيخ على الذهاب أيضا الى قسنطينة وجود بعض التجار من بلدة كوينين في قسنطينة أو في البلدات المجاورة لها، مثل لزهاري بوحامد الذي كان يملك محلا في قسنطينة وأيضا خاله في عين البيضاء وتجار من عائلة بوطة وعائلة السعودي وغيرهم وكلهم ساعدوا الشيخ في مراحل دراسته في المعهد الباديسي في قسنطينة.
يعتبر الشيخ عبد العزيز من أوائل الطلبة السوافة الذين انخرطوا في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة وكانت سنته الدراسية الأولى هي موسم 1949-1950 ويقول الشيخ انه في هذه السنة كنت مقيما في محل لزهاري بوحامد بسبب انني لم اجد مكانا في إقامة الطلاب الخاصة بالمعهد، ولكن بسبب تردد الشيخ محمد الصالح رمضان على محل بوحامد طلب منه هذا الأخير إيجاد مكان لاقامة عبد العزيز بلعبيدي وبالفعل تم الأمر، ولكن الشيخ عندما ذهب لاقامة الطلبة لم يعجبه الحال في بداية الأمر فيقول ان المكان كان ضيق جدا وعامر بالطلاب الذين لا أعرفهم وهو الأمر الذي لم اعتد عليه وسبب لي أزمة نفسية، وحتى أنني في أحد المرات بعد اقامتي هناك واثناء مروري للمدرسة سقطت مغشيا عني في الطريق وادخلوني الى صيدلية قريبة من المكان وهي صيدلية علاوة عباس وهو شقيق رئيس اول حكومة جزائرية مؤقتة فرحات عباس.
بعد ذلك تعود الشيخ عن أصدقائه ويقول انه وجد فيهم خير الرفقة والأنيس، وكان يذهب مع أصدقائه في أوقات الفراغ لأماكن مفيدة، مثل نادي عبد الحميد بن باديس، او المسرح أو السينما وكانوا يزرون المشايخ أو التجار في محلاتهم للاستفادة منهم.
وفي الموسم الدراسي الثاني 1950-1951 قام الشيخ بجلب عدد من الطلبة معه من بلدته كوينين الى قسنطينة وكان ذلك بغيه ادراجهم في المعهد الباديسي، ولقد حصل ذلك بسبب حوار جرى مع أباء هؤلاء الطلبة، حيث قالوا له في حوار : هل يقبل المعهد ابناءنا للدراسة؟ فقال لهم الشيخ نعم يقبل ذلك بكل عفوية، وبعد ذلك بقي الشيخ مهموما بسبب هذا الجواب العفوي، حيث بقي يقول ماذا لو لم يقبل المعهد هؤلاء الطلبة، ولكن تمت الأمور كلها بخير حيث تكلم مع الشيخ محمد الصالح رمضان وتم قبولهم في المعهد وهم الطلبة : حفناوي بوطة، علي بوطة، السعودي حفناوي، ثم بعد ذلك أيضا قام بجلب الطالب أحمد مولاتي.
ولقد تدخل بعض التجار من بلدة كوينين وقاموا بكراء غرفة لهم في احد الفنادق، واصبحوا يعيشون مع بعضهم ويدرسون مع بعض، ولكن الظروف الصحية للشيخ عبد العزيز منعته من مواصلة دراسته في المعهد الباديسي ففي الموسم الثالث من الدراسة تعرض لمرض منعه عن مزاولة التعليم، ولازم الفراش فترة في قسنطينة، ثم بعد ذلك اخذه خاله الى عين البيضاء، ولكن بقي المرض رفيقه فرجع الى بلدته كوينين فقامت والدته بمعالجته لدى الكثير من الأطباء وغير الأطباء وظل طوال ذلك العام وهو على تلك الحالة.

مشائخه في المعهد الباديسي:
عاش الشيخ في فترة عامرة بأسماء لامعة في ميدان العلم والثقافة، ولقد كانت قسنطينة منارة علمية ومركز الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهو الأمر الذي استفاد الشيخ عبد العزيز منه كثيرا أثناء مرحلة مزاولة دراسته بالمعهد الباديسي، وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم نجد:
1.الشيخ أحمد حماني: فلقد كان يدرس عليه الفقه.
2. الشيخ نعيم النعيمي
3.الشيخ عبد القادر الياجوري: وهو من منطقة قمار بوادي سوف وقام بتدريسه مادة النحو
4. الشيخ عبد المجيد حيرش: درس عليه التاريخ والسيرة.
5. الشيخ عبد الرحمن شيبان: وهو من العلماء الجزائريين ورئيس جمعية العلماء الجزائريين من إعادة بعثها في تسعينيات القرن الماضي الى غاية وفاته، درس عليه الشيخ عبد العزيز الأدب
6. الشيخ الجغري: درس عليه الرياضيات
ولقد كان الشيخ يستغل أوقات المساء والفراغ في الذهاب الى بعض حلقات العلم سواء في نادي عبد الحميد بن باديس أو المسجد وكان من بين المشايخ الذين جلس عندهم للاستزادة هم الشيخ احمد رضا حوحو، والشيخ مولود النجار وأيضا الشيخ سعد الحكار، والشيخ العباس بن الشيخ الحسين، وكان دروس عامة ومتنوعة وفيها الكثير من الدروس الوطنية.

الشيخ عبد العزيز بلعبيدي وجهاده التعليمي:

بعد أن عاد الشيخ لبلدته بسبب المرض الذي أصابه في قسنطينة، وبعد رحلات العلاج الطويلة التي أشرفت عنها والدته، بدأت عافيته تعود، ولقد كان أخوه عبد الكريم بلعبيدي قد ذهب الى مدينة بسكرة من أجل التعليم في احد المدارس هناك، ثم استقر به الحال في احد المساجد التابعة للزاوية التجانية وأنشأ مدرسة فيه تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى مثل بقية المدارس الحرة، وعندما توسعت تلك المدرسة وازداد عدد طلبتها، قام عبد الكريم بارسال طلب الى أخيه الشيخ عبد العزيز من أجل المجيء لبسكرة لمساعدته في التعليم وأيضا لمواصلة العلاج على بعض الأطباء الموجودين هناك.
وبالفعل ذهب الشيخ عبد العزيز الى بسكرة وبدأ يخوض تجربة التعليم في احد المدارس هناك، حيث بدأ مع قسم سنة أولى يعلمهم الحروف والقرآن الكريم وبعض العلوم التي تتناسب مع أعمارهم، وكان هذا خلال فترة انطلاق الثورة التحريرية سنة 1954، وبقي هناك في تلك المدرسة في بسكرة الى غاية اعلان الاضراب الطلابي سنة 1956 حيث رجع الى بلدته ليخوض نفس الغمار.
وفي سنة 1958م فتح مدرسة للتعليم أبناء البلدة بمسجد بئر فصيل بكونيين، ولقد كانت هاته المدرسة في بدايتها تابعة للمسجد ولكن بنائها لم يتم فبقيت التجهيزات الخاصة بها موجودة ولكنها غير مستعملة، فقام الشيخ وبمبادرة منه بأخذ الطاولات والسبورة وغيرها من لوازم المدرسة وفتح مدرسة بنفسه، واصبح معتكفا على تعليم أبناء البلدة حيث كان يدرس قسمين أو فوجين في نفس الفترة حتى يقول انه كان قد وضع سبورتين ويقوم بتدريس الفوجين في نفس الفترة، واصبح أبناء البلدة يتزاحمون على المدرسة وأصبحت غاصة بالتلاميذ وغير قادرة على استيعابهم جميعا، وبقي على هاته الحالة وهو في التعليم الى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.
وبعد الاستقلال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة نصرات حشاني بالوادي، ثم مدرسة احمد مولاتي بكوينين، وبعدها انعزل فترة عن التعليم بسبب ترأسه للمجلس البلدي بكوينين، ثم عاد لمدرسة احمد مولاتي إلى غاية احالته على التقاعد سنة 1992م.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يخوض الحياة السياسية ويترأس المجلس البلدي بكوينين 1967-1975
لن أتحدث كثيرا عن هذا الجانب من حياة الشيخ لأني أود ان اخصص هذا المقال للجانب الثقافي والتعليمي للشيخ عبد العزيز بلعبيدي وهما الجانبان اللذان استحوذا على حياة الشيخ منذ طفولته ولغاية وفاته عليه رحمة الله.
فلقد ترشح الشيخ للانتخابات البلدية للمجلس البلدي بكوينين وقام بجهود جبارة خلال فترة ترأسه ثم أعيد انتخابه لمرة ثانية وكان ذلك بطلب من الاهالي وأيضا حتى من السلطة الحاكمة في تلك الفترة بالولاية ويقول الشيخ انه كان يحن دائما للقسم والمدرسة، وبعد مشوار عهدتين في رآسة البلدية عاد الشيخ عبد العزيز مرة أخرى للقسم ولمجاله الذي يحبه وهو التعليم بمدرسة أحمد مولاتي بكوينين.
الشيخ عبد العزيز بلعبيدي يهب نفسه لنشر الدعوة الاسلامية والثقافة العربية.
بعد أن أخذ الشيخ عبد العزيز بلعبيدي التقاعد من التعليم سنة 1992 تولى مهمة نشر الوعي لدى السكان ببلدة كوينين وأيضا تعليم القرآن الكريم للصبيان، فأصبح اماما متطوعا ومعلما للقرآن الكريم ومشاركا في نشر الثقافة الاسلامية والعربية.
وبالرغم من سنه الكبيرة تولى الشيخ عبد العزيز بلعبيدي رآسة الجمعية الثقافية الولائية محمد العيد آل خليفة، وكان عضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومشاركا في الكثير من النشاطات الثقافية والعلمية بالولاية، ومساهما في حركة النشر والتأليف فله بعض المؤلفات المنشورة وهي : كتاب رجال أوفياء، وكتاب أخيار الرجال، وايضا له بعض الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، ولقد تحصل الشيخ على جائزة السنام الذهبي سنة 2016 على كتابه الأخير رجال أوفياء.
فتح الشيخ بيته لكل الطلبة والباحثين والزائرين المهتمين بالتاريخ والتراث، ولقد كان يؤمه الكثير منهم يوميا في بيته فلقد كان موسوعة علمية وتاريخية استفاد منه طلبة العلم في مختلف المجالات وخاصة منهم في التاريخ المحلي لبلدة وادي سوف وكوينين خاصة، كما أنه فتح مكتبته العامرة التي كونها بنفسه حيث كان مهتما بالمطالعة والقراءة وعند زيارتك له لابد أن تجد كتابا بجانبه يتصفحه، وبقي لآخر يوم من حياته وهو على هذه الحالة من حب العلم والمعرفة وربما آخر كتاب تحصل عليه الشيخ قبل أيام قليلة من وفاته هو كتابي الصادر مؤخرا ” أخبار وادي سوف من خلال جريدة النجاح” حيث فرح كثيرا بهذا الكتاب واعجب به فرحمة الله عليه.

مرض الشيخ في أيامه الأخيرة وبدأ يحس بالتعب والارهاق خاصة بعد أيام عيد الفطر المبارك فتقرر السفر به نحو تونس التي يحبها ويكن لها كل التقدير ولكن أجل الله كان ينتظره في تونس الخضراء، فتوفي يوم الجمعة 22 جوان 2018 بسوسة بدولة تونس. فألف رحمة على هذا الشيخ الوقور والعالم الجليل.

503 Service Unavailable

Service Unavailable

The server is temporarily unable to service your request due to maintenance downtime or capacity problems. Please try again later.

Additionally, a 503 Service Unavailable error was encountered while trying to use an ErrorDocument to handle the request.